قبل اندلاع الصراع الحالي في 15 أبريل 2023م بأعوام، كنا نجادل برؤية تقول إن الدعم السريع لا تُختزل في كونها قوة عسكرية فحسب وإنما يجب أن تُفهم كذلك بوصفها واجهةً وامتدادًا سياسيًا لمجتمعات سودانية ظلت على هامش علاقات السلطة والثروة في السودان. هذه المجتمعات، التي تعود جذور الأغلبية منها إلى غرب السودان، ظلت على علاقة سلبية مع السلطة المركزية منذ الاستقلال، فمن ناحية لم تتمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتوّجب أن تكفلها الدولة لمواطنيها، ومن ناحية أخرى فإنها ظلت -عبر قدراتها الإدارية المحدودة وتشكيلاتها العسكرية التقليدية- المدافع الرئيس عن مصالحها ووجودها أمام كافة التهديدات. وبالتالي، فإن هذه المجتمعات لا تملك التزامًا حقوقيًا تجاه دولة 56، وليس لديها مصلحة في الدفاع عنها أو الحفاظ على وضعيتها الإقصائية المعيبة.
حينما اندلعت الحرب، بدأت نخبة دولة 56، -نقصد بها “قادة الرأي” من المثقفين والسياسيين وأساتذة الجامعات الذين تربطهم مصالح خاصة بالدولة القديمة- في خياطة السرديات. أولًا، بدأت بتجاهل الارتباط الوثيق بين الدعم السريع ومصالح بعض المجتمعات السودانية، إذ حاولت تصوّير هذه القوات كمجموعة عسكرية منعزلة تسعى للسلطة دون سند اجتماعي أو سياسي، وكأنها نزلت من السماء صبيحة 15 أبريل. حدث ذلك، في ذات الوقت الذي تبنت فيه النخبة سردية أخرى، مناقضة للأولى بوضوح، وهي تلك التي تروج لنزع المواطنة عن الجماعات التي صُنفت بكونها “حواضن” للدعم السريع. وبالتالي فنحن أمام سرديتين؛ الأولى، تعزل قوات الدعم السريع عن المصالح المادية التي تعبر عنها وتنفي وجود أي علاقة تمثيلية بينها والمجتمع -وهذه رواية تصدّرها نخبة دولة 56 لإيهام الناس بوجود مؤسسة “قومية” تُمثّل السودانيين بغض النظر عن خلفياتهم الجغرافية والإثنية، هذه المؤسسة هي جيش الحركة الإسلامية بالطبع. السردية الثانية، تنزع المواطنة عن المجتمعات التي تساند “الجاهزية” في حرب أبريل، ونُفذت الدعوات إلى ذلك عمليًا بواسطة الدولة المختطفة من الجيش والحركة الإسلامية. لكن، لم تقف نخبة الدولة القديمة عند حدود “الحرمان السياسي” من الحقوق فحسب، وإنما لجأت، على مستوى كبار مثقفيها، إلى إساءة المجتمعات وتهديد القبائل بالإبادة، إلى جانب تبنيها مقولات استشراقية كان يرددها الرحالة والمستعمرين بحق كافة المجتمعات المحلية في أفريقيا إبان الاستعمار.
إلى جانب ذلك، تبنت النخبة سردية ثالثة؛ تصوّر المجتمعات -خصوصًا في غرب البلاد- باعتبارها في حالة عداء وجودي فيما بينها، وتناقض مادي فيما يخص مصالحها. على سبيل المثال، كثيرًا ما تحدثوا، عن وجود عداء مطلق بين الدعم السريع والقبائل العربية من جانب، والقبائل الأفريقية من جانب آخر، في إقليم دارفور. وذلك رغم التعايش الممتد لمئات السنين، والماثل الآن في هذه ظل الحرب، وكذلك رغم توسع بنية الدعم السريع واستيعابها لما هو أشمل من مجرد “عطاوة” أو “عرب دارفور” كما يرددون. إن هذه السردية، ورغم ضعف قدرتها الإقناعية، إلا أنها كانت البوابة الرئيسية لتجار حروب تحركهم “الغيرة” مثل مناوي وجبريل. إذ استخدموها للزّج بمن ليس لديهم مصلحة في الحفاظ على دولة 56، في أتون الحرب. وبكل تأكيد عبر حجج إثنية الطابع، بعد إغراء القادة بالمال.
إن نخبة دولة 56، وفي إطار ترويجها لنظرية “العداء المطلق” هذه، تمارس التحريض الاجتماعي بكافة أشكاله، وتتجاهل عمدًا الوقائع التي تضرب تماسك سرديتها المتهافتة. وللتبرير، فإنها تحتجُ -على الدوام- بأحداث الجنينة، التي تكن لم حربًا نظامية وإنما أهلية الطابع، أشعلتها استخبارات الجيش بين “جماعات متكتلة مسبقًا” بشكل مدروس ومتعمد، ولا أستبعد أنها كانت لذات الغرض الذي تستخدم من أجله اليوم. ولأنها نخبة انتقائية ومنافقة، فإنها تعتبر مدن مثل الضعين ونيالا وزالنجي والفولة مستعمرات “جنيدية”! في حين أن هذه المناطق، التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع في غرب البلاد، لم تشهد أي عملية فرز ذات طابع إثني أو قبلي. وبعد طرد قوات الجيش، ظل التعايش حاضرًا بين جميع المكونات الاجتماعية، والأعراف التاريخية راسخة وحاكمة. واليوم، نفس الفئات الاجتماعية التي ينحدر منها أشخاص مثل مناوي وجبريل وتمبور ورموز القوة المشتركة وأبواقها، تتواجد في كافة مدن وحلال وبوادي دارفور التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع. لم يتم تمييزهم واستهدافهم لمجرد وجود رابط قبلي بينهم وهذه الشخصيات التي أعلنت انضمامها لحلف الدولة القديمة. وإذا كانت قوات الدعم السريع تستهدف تشريد وإبادة القبائل التي يتحدثون عنها، لماذا لم تبدأ فعل ذلك من الضعين أو نيالا مثلًا؟ التي تُعتبر مراكز تجمع العديد من القبائل بما فيها تلك التي ينحدر منها قادة الحركات في دارفور الموالين للجيش. إن مدن دارفور، ونقيضًا لسردية “العداء المطلق”، تعج اليوم بالتنوع وتنعم بالتعايش المشترك، ومع ذلك، تُصر نخبة دولة 56 على مناهضة خطاب التعايش، وتجاهل معطيات الواقع، وتخويف الناس من بعضهم بعضا!
إلى جانب كل ذلك، فهناك سردية “نظرية المؤامرة”، التي يجري بموجبها إلغاء تناقضات المصالح الداخلية وتعليق الفشل السياسي والعسكري على رقاب الدول الخارجية.
يتضح من ذلك أن نخبة دولة 56، ظلت تقفز من سردية إلى أخرى، فمرة تدعي أنها تحارب مجموعة محدودة تسعى للسلطة، ومرة أخرى تتوعد بإبادة الحواضن والقبائل، ثم تستخدم خطاب الانتهاكات بغرض التحريض، ومرة رابعة تتملص من أسباب التفاوتات السياسية والاقتصادية في السودان وتعلّق الفشل حول رقبة الخارج. إنها تتعامى قصدًا عن الدوافع الصحيحة للحرب، وتُزيّف الوقائع، وتسعى لإحداث الفتنة الاجتماعية في المناطق التي تقع خارج سيادتها. كل ذلك بغرض التشويش على وضعيتها، بوصفها نخبة مستفيدة من الدولة وتربطها مصالح إثنية وجغرافية بالسلطة. إن المجتمعات التي انحازت لقوات الدعم السريع، وخلافًا لتلك السرديات الظرفية، انحازت للدفاع عن وجودها في مواجهة وعيد “النازيين الجدد”، ولحماية مصالحها المهددة، وإثبات حقوقها، في دولة ظلت رهينة أو مختطفة لعقود. ذلك بالضبط، ما لم تجرؤ نخبة دولة 56 على المجاهرة والاعتراف به.





