رأي

محمد الرحال يكتب: إلى حيث اعتادت الحرب أن تسكن

ما وراء الشمس

منذ الاستقلال في 56، ظلّت بعض المناطق تُعامل وكأنها خُلقت للحرب فقط، دارفور وكردفان – بهضابهما ووديانهما، وإنسانهما الكريم – أصبحتا ساحات دائمة للصراع، تُدار من الخرطوم وتُحسم في الجبال والقيزان والقرى البعيدة عن عيون السُلطة.

كان المركز دومًا يُخطط ويأمر، والمحيط يُقاتل ويدفع الثمن هناك حيث الطائرات لا تقصف إلا بيوت الشعر والمخيمات ورواكيب القش، وحيث القرى تُحرق، ليبقى “المركز” في أمان، يزداد عمرانًا بما تُصدره هذه الأقاليم من ذهب ومحاصيل وثروات..

غدر أبريل قلب المشهد فجأة.. وامتدت الحرب إلى الشمال والشرق، إلى حيث اعتقد الناس طويلًا أن النار لا تصل هناك، فبدأت النخب المسيطرة على القرار السياسي والعسكري تستشعر الخطر، وتتداعى لحماية مناطقها ومجتمعاتها لا الوطن.. وكشفت هذه النُخب بتعجلها ما كان مستورًا لعقود “لم تعد الحرب مسألة دفاع عن دولة أو بسط هيبة قانون، بل هي لعبة توزيع جغرافي للخراب والموت”، تُدار بعقلية “من يجب أن يدفع الثمن؟”..

لطالما كانت دارفور وكردفان تُستخدم كمكبّات لصراعات يُخطط لها أن تكون هناك، حيث عاش الناس في حروب لا تنتهي، وكان يُطلب منهم الصبر بينما تُنهب ثرواتهم لتُعمّر بها مدن أخرى.. تحاول اليوم إبعاد الحرب عنها بطرد قادة الجيش وإعادة كرة النار من حيث أتت، تحركت قيادات الجيش ووصلت إلى الأبيض (كقاعدة عسكرية جديدة) لتدارك الموقف، والهدف واضح: إعادة الحرب إلى حيث اعتادت أن تكون.. وكأن دارفور وكردفان الأرض المخصصة للخراب، وكأن دماء أهلهما أرخص من دماء غيرهم..

جهود نقل الحرب من المركز إلى الأطراف لم تكن عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية أيضًا.. فجأة عاد الحديث عن “مناطق التمرد” و“المليشيات القبلية”، في محاولة لاستعادة الصورة القديمة التي لطالما تم ترويجها لتبرير قصف القرى والتهجير..

سلوك قادة الجيش هذا وبعض ساسة 56 وإعلامهم لا يُعبّر فقط عن أزمة سياسية، بل عن خلل أخلاقي عميق في مفاهيم المواطنة والعدالة، فحين تُختزل حياة الناس في جغرافيا معتادة على الموت، هذا ليس خطأ تخطيط؛ بل نتاج عقلية ترى في بعض المواطنين “دروعًا بشرية” لصون مركزهم (السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي)..

الحرب الحالية لن تكون قدرًا على إقليم دون غيره، والوطن الذي نسعى إليه لا يُبنى على أشلاء بعض مناطقه، ليُعمَّر البعض الآخر.. وفيها سنواجه الحقيقة، لا أن نكرر دورة الخراب.. فإن لم تعيد الحرب تعريف العدالة، فسيُعيد التاريخ مآسيه بحذافيره، ولكن على رقعة أوسع..

دعوات قادة الجيش وإصرارهم بالفعل لإعادة القتال إلى غرب السودان، سيقابلها واقع آخر وهو إن هذه الحرب لن تكون أحادية الوجهة.. وكل من يُخطط لإشعال النار في ديار الآخرين عليه أن يتوقع عودتها إلى بيته..

حين يهدد قادة الدعم السريع بنقل الحرب إلى الشمالية فهم لا يدعون إلى الإنتقام، بل إلى كسر معادلة تاريخية ظالمة، ودعوة لفهم أن الحل ليس في تدوير الصراع جغرافيًا..

لكن إن أصرّت قيادات الجيش على تسليح الحرب بجغرافيا مخصصة، فإن القادم لن يُشبه الماضي، ولن تكون هناك مناطق محمية إلى الأبد.. ولن تكون دارفور وكردفان الحطب الدائم لنيران الآخرين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى