رأي

محمد صالح البشر تريكو يكتب : آدم مادبو (شِتيل) .. الأثر الباقي 

قبل أن يتشكل الوعي السياسي لدينا بداية الألفنيات ، أُرِهْقَنا بالبحث عن تنظيم سياسي يستوعب نشاطنا في المرحلة الثانوية ، لحكمة يعلمها الله ،لم نستريح لنشاط الاسلاميين الخفي على كثافته وسط الطلاب ، بواسطة مسميات عدة شيء اتحادات محلية وجمعيات شبابية عابرة للقارات وجمعيات دينية غامضة .

من ناحية بيئية ثلاثتنا من خلفيات أنصارية ، لكن لا أثر لحزب الأمة في الفضاء العام وقتها ، ونحن في ذاك التيه السياسي ، حتى هبط علينا من غير ميعاد حزب الأمة عن طريق المهندس عبدالله علي مسار وأحمد بابكر نهار اللذين عادا للتو ، من الخرطوم ، في طواف حزبي لنيالا واقامة ندوة جماهيرية ، سرعان ما هتفنا في طرقات نيالا مع الجماهير : مسار نهار لن ننهار ، خلال الاستقبال وفي الندوة التي انعقدت بمسجد الأنصار بمدينة نيالا ، أُعجبنا حد الاعجاب بالكوادر الطلابية المرافقة للوفد ، درجت على اشعال الندوة منشدة : لا اضارينا وراء دبابة ولا تاجرنا باسم الدين ولما حكمنا الناس راضين أو دقناً ضلالية فجرة وحرامية ،تكتل باسم وتسرق باسم بالدين .

قوي عودنا في حزب الأمة بل استوى ، بعد كنا مثل سيدنا ابراهيم عندما كان يبحث عن إله في غير آلهة قومه ، مرة فكٌر في عبادة القمر ، ثم غاب وظهرت الشمس قال هذا أكبر هذا ربي لما انغمست في المغيب قال لا أحب الأفلين ،كذلك كنا نتقلب بين قيادات حزب الأمة نبحث عن قيادي ملهم .

من بعيد نسمع باسم رنان ذي جاه يتردد وسط السياسيين والطلاب ، نقرأ تصريحاته في الصحف دون أن نلتقي به ، الحقيقة كنا نتحاشى قامات مثل آدم مادبو خشية الاحتراق في محرابها .

في ذات يوم شتوي ، قادني عمنا الدكتور محمد عيسى عليو وهو رجل معروف بالطيبة والتعامل الودي مع المعارف ، الى حيث يجلس الدكتور بعمارة ستي بنك ، مكتب سبدو الهندسية ، في عتبات السلم شعرت برهبة وخوف غير مبرر ،قبل أن يقدمني عليو لدكتور مادبو بمدح زائد وبالغ في مقدراتي الخطابية لدرجة عقد مقارنة بيني والتعايشي أو كما قال : مشروع خطيب يمكن أن يرث التعايشي .

  تلك أول مرة التقي بمادبو ، لما فرغ عليو من التعريف ، شعرت بعقدة في لساني ولكن البساطة والتواضع شجعاني ، كان يرتدي مادبو قميص ابيض اللون نصف كم وبنطال رمادي داكن ، في تناسق ألواني يسر الناظرين ،تحدث مادبو بهدؤ يتخييل الى السامع أنه يترفق على الكلمة ، لكنه يقيس الكلمات كما يقيس أبعاد و زوايا الطوابق عند تصميم المباني .

الدقائق المعدودة التي استغرقها اللقاء حببت الدكتور لنفسي، ثم قويت علاقتي به لدرجة كنت أقرب المقربين اليه من ناحية سياسية ، بدليل قول ابنه المرحوم مادبو الصغير في ذات يوم لجمع من أنصار الدكتور لو عايزين تقنعوا أبوي بحاجة إلا يقولها تريكو .

في الأول من رمضان الموافق 18 فبراير 2026 ،انطويت صفحات حياة العالم دكتور مادبو بأحدى مستشفيات السعودية ولكن ستظل أثارها من ناحية سياسية باقية والعملية شاهدة تعانق سماء الخرطوم منها النادي الدبلوماسي وفندق الهلتون العريق .

 تابعت مقالات الرثاء على كثرتها بأيدى معظم قادة الفكر والسياسة في السودان حصر صفات الدكتور بالالتزام بالمبادئي والنزاهة .

أضيف لولا ايمان مادبو بالمبادئي مثل رفض التقرب من الأنظمة الاستبدادية ، لدخل حزب الامة في شراكة مع الانقاذ عقب عودة قيادات الحزب في رحلة تكسبون أو ما يسمى باتفاق جنيف ، كان القيادات القادمة من الخارج قد أعياها النضال لذلك ،أو قد اشتاقت الى صولجان الحكم ، فعادت متحمسة لمناصفة الانقاذ السلطة ، أشير الى السيد مبارك الفاضل والمرحوم دكتور عمر نور الدائم ،مع وجود ضؤ أخضر من السيد الصادق المهدي عليه الرحمة ولكن قيادات الداخل بقيادة دكتور مادبو رئيس المكتب السياسي ،الأمير نقد الله وبكري عديل ، قد وقفوا سداً منيعاً ضد خطوات المشاركة في السلطة ، بعد جدل ونقاش انضم لهذا التيار السيد الصادق المهدي ، الأمر الذي دفع طلاب السلطة الى الانشقاق الشهير الذي قاده مبارك الفاضل تحت مسمى حزب الأمة الاصلاح والتجديد .

 عُرِفَ مادبو أيضاً بالصرامة والانضباط ، في العمل حتى في شركته الخاصة سبدو الهندسية ، يدخل المكتب في الزمن الرسمي للمؤسسات الحكومية ، لا يخرج من المكتب قبل انتهاء الدوام عند الساعة الثالثة ظهراً ، مثله مثل أي موظف حكومي مراقب من ادارة عليا ، بيد أن مادبو لا رقيب عليه سوى ضمير حي ونفس لوٌامة .

أشهد الله إن مادبو يصرف على النشاط الطلابي ونشاط الحزب أكثر من الصرف على بيت أم الوليد ، بل يصرف على قادة الحزب المُعدمين ، مرات كثيرة أرسلني برفقة سائقه الخاص، لكي نوصل مظروف مالي ،الى بيت قيادي من قيادات حزب الأمة .

الدنيا قُبالة عيد اتصلت بي سكرتيرته ، هدى متعها الله بالصحة على الهاتف طالبة حضوري على جناح السرعة ،لما وصلت المكتب ، وجدت بين يديه قائمة من الأسماء وأمام كل واحد منهم مبلغ من المالي،ثم كتب شيك لبنك تنمية الصادرات ،طلب مني التحرك لصرف المبلغ و توزيعه على القائمة ، ترددت لكوني لا أملك مستند للبنوك أي والله وقتها لا أملك سوى الجنسية الخضراء ، ما عندها رقبة لشعر قروش البنوك ، أي غير معتمدة لدى البنوك علق مادبو (أمشي بدوك) تفحصت الشيك مكتوب أدفوا kash من غير أي اسم للمستفيد ،مختوم بتوقيع بالانجليزية .

فعل الأمر أدفعوا من مادبو هي كلمة شفرية بذاتها لا تحتاج لمستند شخصي ، في ردهات البنك وضعت الشيك أمام أقرب موظف ، ليوجهني الى شباك غير بعيد تجلس عليه فتاة ، ما هي دقائق فقط طلبت مني استلام القروش ،ثم قمنا بتوزيع المبلغ على فئات من التعفف تحسبها غنية ، يعلم الله أي شخص نصل بيته يقول : كتر خير ول مادبو وقال أحدهم وهو حاكم اقليم سابق موجهاً الحديث لزوجته ما قلت ليك الله كريم ،لنفهم إنها طالبت بمستلزمات العيد ، كان رد الزوج لا أملك قرش ولكن الله كريم .

حضرت احدى حلقات منتدى صافي النور في العام 2023م وكان الصالون يومها ، قد انتقل الى بيت الدكتور محمد عيسى عليو بحي السلمى ، صادف ذلك في يوم أنوى زيارة الدكتور عليو ، عضوية المنتدى معظمها من القيادات العسكرية وعدد ضئيل من السياسيين وكان دكتور مادبو ضمن الحضور جاء بدعوة خاصة لكون المنتدى يتحدث يومها عن التسليح الروسي اذ كانت في صفقة سلاح عقدتها الإنقاذ مع روسيا وكانت حديث الناس ، فقال فريق معاش من الجيش نسيت اسمه : للأمانة أفضل وزير دفاع مر على الجيش هو الدكتور مادبو وان تسليح الجيش المتطور من الدبابات قد تم بصفقة أسلحة سوفتية على أيدي مادبو ،علق جنرال آخر بالمناسبة الدبابات التي ساهمت في نجاح حركة انقلاب 89 19م هي ذاتها التي جلبها أبو الديمقراطية دكتور مادبو.

 في ختام الصالون سُمِحَ لمادبو بالحديث فقال بهدؤ إن العرب كانوا يعانون من هزيمة حرب النكسة 1967م ودخول القوات الاسرائيلية الى سيناء والاقتراب من اعتقال جمال عبدالناصر وفي حاجة لتسليح متطور ، بطلب من السعودية انعقدت قمة لرؤساء الدول العربية بالخرطوم بحضور وزراء الدفاع والخارجية ، في اللقاء طلب الملك فيصل من السودان تسليح نفسه وتسليح مصر من خزينته استعداد لحرب قادمة بين العرب والاسرائيلين ، وقتها الجنيه معافى اذ يساوي الواحد منه ثلاثة دولارات أمريكية ونتيجة للبيان الختامي سافر وزير دفاع السودان دكتور مادبو الى مصر لتحديد نوعية الأسلحة التي تحتاجها الدولتين قبل أن يسافر الى اتحاد السوفيت واكمال أكبر صفقة لتسليح مصر والسودان .

الموت سبيل كل حي وليت كل ميت يترك أثر باقي كما ترك مادبو البصمات في كل المجالات السياسية والعملية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى