حلفا الجديدة – الجماهير
لم تعد الخنازير البرية في مشروع حلفا الجديدة الزراعي مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت، بحسب مزارعين وأهالي تحدثوا إلى «الجماهير»، إلى خطر متصاعد يهدد المحاصيل ومصادر رزق مئات الأسر، ويفرض على العاملين في الحقول مواجهة يومية مع قطعان تتزايد أعدادها وتتوسع رقعة تحركها داخل الأراضي الزراعية.
وتعود بدايات الأزمة، وفق إفادات المزارعين، إلى نحو عام 2015، بالتزامن مع التراجع الملحوظ في المساحات المزروعة بقصب السكر داخل المشروع. ومع انحسار زراعة القصب، بدأت الخنازير البرية التي كانت تستقر في المناطق الطرفية للمشروع بالاقتراب تدريجياً من الحقول والقرى المحيطة بمصنع سكر حلفا الجديدة.
في بداياتها، ظلت الظاهرة محدودة نسبياً، إذ كانت الخنازير تتحرك في نطاق غابات «البان» الكثيفة، قبل أن تخرج ليلاً بحثاً عن الغذاء وتعود مع ساعات الصباح. لكن السنوات اللاحقة شهدت، بحسب السكان، زيادة واضحة في أعدادها ونطاق انتشارها، لتتحول من حركة محدودة إلى اقتحام مباشر للمزارع.
ويقول المزارعون إن القطعان أصبحت تدخل إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، متسببة في إتلاف المحاصيل خلال وقت قصير، فيما تبدو وسائل الحماية التقليدية عاجزة عن مواجهة أعدادها المتزايدة.
محاصيل مهددة.. والزراعة تحت المخاطرة

الخطر لا يتوقف عند تلف المحاصيل، بل بدأ يؤثر على قرارات المزارعين أنفسهم. فبعضهم اضطر، بحسب إفاداتهم، إلى تقليص أو التخلي عن زراعة محاصيل مثل الفول السوداني والبطاطا المعروفة محلياً باسم «البامبي»، إلى جانب الذرة، خشية أن تتحول تكلفة الزراعة إلى خسارة كاملة بعد تعرض الحقول لهجوم القطعان.
وتصبح المعادلة أكثر قسوة بالنسبة للمزارع الذي ينفق المال والجهد طوال الموسم، ثم يجد محصوله عرضة للتدمير خلال ساعات. ومع غياب وسائل فعالة للحماية، يتحول استمرار الزراعة في بعض المناطق إلى مخاطرة اقتصادية حقيقية.
ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على الجانب الزراعي. فقد أصبح وجود الخنازير البرية، وفق الأهالي، عاملاً مؤثراً في حركة المزارعين والعاملين داخل الحقول، خاصة خلال ساعات المساء والليل.
وتزداد المخاوف خلال مواسم التكاثر، عندما تصبح الإناث أكثر دفاعاً عن صغارها. ويحذر المزارعون من الاقتراب من القطعان أو محاولة مطاردتها بصورة فردية، مشيرين إلى القوة البدنية الكبيرة لهذه الحيوانات وسرعتها في التحرك عند الشعور بالخطر.
كما تحدث سكان عن حوادث وإصابات مرتبطة بالخنازير البرية، إلا أن حجم هذه الحوادث ومدى تكرارها يحتاج إلى إحصاءات رسمية وبيانات موثقة من الجهات المختصة.
حملة توقفت.. والخطر يتسع
قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كانت هناك تحركات رسمية، بحسب المزارعين واللجان المحلية، لتنفيذ حملة واسعة للسيطرة على الخنازير البرية والحد من انتشارها. غير أن تلك الجهود توقفت مع اندلاع الحرب، لتبقى المشكلة دون معالجة مستمرة.
ومنذ ذلك الوقت، اتسعت دائرة المخاوف، فيما وجد المزارعون أنفسهم أمام خطر يتطلب إمكانات تتجاوز قدراتهم الفردية.

وخلال جولة ميدانية رافقت فيها أحد المزارعين ذوي الخبرة في التعامل مع المناطق التي تنتشر فيها الخنازير، ظهر قطيع بالقرب من إحدى غابات «البان». وبمجرد ملاحظة وجود صغار داخل القطيع، جاء التحذير من الاقتراب، مع التشديد على ضرورة التصوير من مسافة آمنة.
كان المشهد كافياً لتفسير جانب من القلق الذي يرافق المزارعين أثناء وجودهم في مناطق قريبة من الغابات، حيث لا يمكن دائماً التنبؤ بحركة القطعان أو رد فعلها عند الشعور بالخطر.
ويرى المزارعون أن سرعة تكاثر الخنازير وقدرتها على الوصول إلى مصادر الغذاء داخل الأراضي الزراعية تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة كلما طال انتظار المعالجة.
وتضع الأزمة مشروع حلفا الجديدة أمام خطر يتجاوز خسائر موسم زراعي واحد؛ فاستمرار انتشار الخنازير قد يدفع المزيد من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة، ويزيد من تكلفة حماية الحقول، ويعمق المخاوف المتعلقة بسلامة العاملين والسكان في المناطق المتاخمة للغابات.
وفي ظل هذا الوضع، يطالب المزارعون بتدخل عاجل يبدأ بمسح ميداني شامل لتحديد حجم الانتشار والخسائر، ووضع برنامج مستدام للسيطرة على الظاهرة، بدلاً من حملات مؤقتة تنتهي بمرور الوقت.
فكلما تأخر التدخل، يقول المزارعون، ازدادت صعوبة احتواء الخطر، بينما تبقى الأرض والمحصول وسلامة العاملين في مواجهة مفتوحة مع قطعان تواصل التمدد.





