رأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : نيالا تصنع الفجر: معاً نحو التأسيس

في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، تعيد مدينة نيالا رسم الملامح السياسية للمستقبل، حيث خرجت اليوم مواكب هادرة في مشهد شعبي مهيب حمل عنواناً عريضاً وشعاراً ملهماً”نيالا تتعافى”.

​لم تكن هذه الفعالية مجرد تظاهرة عابرة بل جاءت كمبايعة شعبية واستفتاء عارم يعكس الالتفاف والتأييد المطلق حول حكومة تحالف “تأسيس”، معلنةً انطلاق مرحلة جديدة تقوم على تعافي المجتمع وإعادة بناء هياكل الدولة وفق رؤية مدنية عادلة.

لقد اكتسبت مواكب اليوم رمزية رفيعة وأهمية استثنائية بفضل الحضور الميداني الفاعل لقيادات التحالف؛ فقد قاد المسيرة الحاشدة رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي إلى جانب نخبة بارزة من قيادات تحالف “تأسيس”.

​إن نزول رموز القيادة إلى الساحات ومشاركتهم الحية للجماهير في صياغة الهتافات وتبادل التطلعات يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة والقيادة، إذ تتهاوى الفواصل التقليدية بين صانع القرار والمواطن البسيط وتُعد هذه الخطوة رسالة بالغة الوضوح تؤكد أن السلطة التنفيذية تضع أذنها على نبض الشارع، وتنحاز بصدق لقضايا الهامش والمناطق التي طالما اكتوت بنيران التهميش والأزمات.

يأتي شعار نيالا تتعافى ليجسد نبض الأمل وروح الصمود العميقة لدى إنسان هذه المدينة العريقة، معبراً بصدق عن إرادة لا تهتز لطي صفحة الأزمات والحروب الماضية، والبدء بخطوات واثقة ومدروسة نحو بناء المستقبل والاستقرار المنشود والعدالة الاجتماعية التي طال انتظارها. إنه يعكس تلاحماً مجتمعياً فريداً والتفافاً جماهيرياً عريضاً يبرز عمق أواصر الإخاء ووحدة الصف بين كافة أبناء الوطن، متسلحاً بقيم السلام الأهلي والترابط الاجتماعي والقبول بالآخر، لترسيخ ركائز العيش المشترك ورسم لوحة متسعة لكل الأطياف ومكونات المجتمع المختلفة التي طالما عانت من مرارات الفرقة والتشتت.

ومن خلال هذا التلاحم التاريخي العظيم، تتكاتف الأيدي وتتوسد القلوب عزيمة لا تلين لتضميد الجراح العميقة وإصلاح ما أفسدته صراعات الماضي، متجاوزين كل الحواجز والنعرات نحو أفق رحب يجمع ولا يفرق، ويعزز روح التآخي والصفاء الإنساني.

وبهذا يتحول الشعار من مجرد عبارات براقة ومؤقتة إلى واقع حي ينبض بالمحبة والتعاون والعمل المشترك الجاد، من أجل نهضة المدينة وعودتها المظفرة لسيرتها الأولى كمنارة متألقة للسلام الحقيقي والوئام الدائم والعيش المشترك الكريم بين جميع أبنائها دون استثناء، لتكتب نيالا بذلك فصلاً جديداً ومضيئاً من تاريخها المجيد الذي يسطره أهلها الأحرار بمداد من الفخر والكرامة.

إن ذلك الحشد المليوني الجارف والطوفان البشري الهائل الذي شهدته مدينة نيالا اليوم، بكل ما حمله من مشاعر جياشة وطاقات وطنية متدفقة، يضع حكومة تحالف “تأسيس” مباشرةً وجهاً لوجه أمام مسؤولية تاريخية جسيمة وأمانة كبرى لا تحتمل التهاون أو التأخير.

فالجموع  التي تقاطرت نحو الشوارع والساحات ، إنما تصوغ بتلبيتها هذه عقداً سياسياً واجتماعياً جديداً تمنح من خلاله الحكومة تفويضاً شعبياً واسعاً ولكنه مشروط تماماً بالعمل الجاد والإنجاز الحقيقي الملموس على أرض الواقع، ليكون هذا التأييد العارم رصيداً متجدداً يُقاس بمدى قدرة القيادة التنفيذية على ترجمة الهتافات والتطلعات إلى سياسات عملية تحسن حياة المواطنين، وتؤسس لعهد جديد من العدالة والنماء يلمس أثره كل فرد في المجتمع.

لقد أثبتت حاضرة دارفور ودرتها نيالا اليوم، بكل جدارة واقتدار، أنها تفوق بكثير كونها مجرد حيز إداري أو عاصمة جغرافية، لتتربع على عرش الوجدان كقلب السودان النابض الذي لا يهدأ، ورمزه الحي المفعم بوعي وطني لا يلين وإرادة صلبة لا تنكسر. إن مسيرات “نيالا تتعافى” العارمة قد جهرت بالحق وأعلنت بملء فيها أن الخيار الأوحد واللا رجعة فيه للجماهير السودانية هو المضي قدماً وبثبات نحو محطة “التأسيس الجديد”، متجاوزةً بوعي وبصيرة كل آلام وأوجاع الماضي وجراحه الغائرة، لتشيد على أنقاضها مستقبلاً زاهراً وغداً آمناً ومشرقاً يتسع لكل أبناء الوطن بلا استثناء ويحتضن أحلام الجميع في العيش الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى