تقرير – الجماهير
لم تعد أزمة البحر الأحمر مجرد اضطراب عابر في حركة الملاحة، بعدما انتقلت التطورات في اليمن إلى مستوى أكثر حساسية مع إحكام الحوثيين قبضتهم على مواقع استراتيجية مطلة على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتزامن ذلك مع تصاعد الضغوط على السعودية وارتفاع المخاطر التي تهدد حركة التجارة والطاقة الدولية.
في هذا المشهد المضطرب، يبرز السودان بوصفه الضفة المقابلة التي لا يمكن فصل ساحلها عن الحسابات الأمنية للبحر الأحمر. فبورتسودان، الواقعة على أحد أهم الممرات البحرية، أصبحت مركزاً سياسياً واقتصادياً لسلطة بورتسودان، بينما تستمر الحرب الداخلية في إنتاج تداعيات تتجاوز حدود البلاد.
باب المندب.. هل يتحول إلى ورقة ضغط
وطبقا للمراقبين لا توجد علاقة مباشرة تجعل إغلاق باب المندب سبباً تلقائياً لإيقاف الحرب السودانية، لكن التطورات حول المضيق يمكن أن تجعل استمرار الحرب في السودان أكثر أهمية بالنسبة للقوى الدولية.
ويقول المحلل السياسي د.مصعب فضل المرجي ، انه رغم وجود علاقة مباشرة بين باب المندب والازمة السودلنية الا انه يرى بأنه كلما ارتفع مستوى التهديد للملاحة في باب المندب، أصبحت السواحل المقابلة للبحر الأحمر جزءاً من معادلة أمنية واحدة. وتزداد حساسية السودان تحديداً بسبب موقعه، وطول ساحله، وأهمية بورتسودان، فضلاً عن المخاوف الدولية من تحول الحرب إلى بوابة لتنافس إقليمي على النفوذ.
ويمضي فضل المرجي في حديثه لـ ” الجماهير” تكتسب هذه المخاوف وزناً أكبر في ظل الحديث عن النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث إن سيطرة حلفاء طهران على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر تمنح إيران، بصورة غير مباشرة، أوراق ضغط إضافية على حركة الطاقة والتجارة.
من اليمن إلى السودان.. هل تتسع دائرة النفوذ؟
السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بإمكانية انتقال القتال من اليمن إلى السودان، وإنما باحتمال تشكل بيئة إقليمية مترابطة أمنياً وعسكرياً.
فإذا أصبح باب المندب نقطة ضغط على الملاحة الدولية، واستمر السودان في حربه المفتوحة، فإن أي حضور عسكري أو لوجستي جديد على الساحل السوداني يمكن أن يُقرأ دولياً باعتباره جزءاً من صراع أوسع على البحر الأحمر.
ومن هنا، فإن استمرار الحرب السودانية قد يتحول من أزمة داخلية إلى عنصر في معادلة أمنية أكبر، خصوصاً إذا ارتبط بتدفق السلاح أو بناء شبكات نفوذ على الساحل.
واشنطن بين السودان والحوثيين
هل لهذا التطور علاقة بالتحركات الأميركية الأخيرة تجاه السودان؟
ويرى مراقبون انه حتى الآن، لا توجد أدلة كافية للقول إن واشنطن تنظر إلى الملفين باعتبارهما عملية واحدة أو أن تحركاتها تجاه السودان جاءت استجابة مباشرة لتحركات الحوثيين لكن من الصعب أيضاً تجاهل السياق الإقليمي المشترك.
ويقول الخبير الأمني والاستراتيجي محمد علي جابر ان الولايات المتحدة تواجه حالياً تحدياً متزايداً في البحر الأحمر
الا ان جابر يرى ان واشنطن ستولي اهتمام اكبر للملف السوداني ومنع الحرب من إنتاج تهديدات إقليمية جديدة.
واشار جابر في حديثه لـ ” الجماهير” الى ان بورتسودان تبرز باعتبارها جزءاً من الحسابات المستقبلية، لا باعتبارها جبهة يمنية جديدة، وإنما باعتبارها موقعاً استراتيجياً يمكن أن تتقاطع فيه المصالح السودانية والإقليمية والدولية.
انتقال الملف إلى ترامب قد يغيّر المعادلة
وفي خضم هذه التطورات، يرى د. محمد بدر الدين، الأمين العام المكلف للمؤتمر الشعبي، أن انتقال ملف السودان من المبعوث الأميركي مسعد بولس إلى الرئيس دونالد ترامب يمثل تحولاً مهماً في مستوى التعاطي الأميركي مع الأزمة.
وقال بدر الدين لـ”الجماهير” إن هذا الانتقال قد يعني دخول أميركا في الأزمة السودانية بفاعلية أكبر مما مضى، لكنه شدد على أن السؤال الأساسي يبقى: في أي اتجاه ستتحرك واشنطن؟
وبحسب بدر الدين، فإن الإجابة لن تكون في مستوى التمثيل الأميركي وحده، وإنما في القرارات التي ستتخذها الإدارة الأميركية خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستتجه إلى تسوية سياسية، أم ممارسة ضغوط أكبر على أطراف الحرب، أم إعادة صياغة مقاربتها للأزمة السودانية.
أمن البحر الأحمر.. مفتاح جديد للملف السوداني؟
ويمضي ” التطورات الأخيرة تجعل السودان جزءاً من معادلة أوسع من الحرب بين الجيش والدعم السريع. فكلما أصبح البحر الأحمر أكثر اضطراباً، ازدادت أهمية استقرار الدول المطلة عليه، وفي مقدمتها السودان.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل سيوقف باب المندب حرب السودان؟
و لكن حسب المراقبين ان تهديد باب المندب قد يدفع واشنطن والمجتمع الدولي إلى إعادة تعريف الحرب السودانية باعتبارها جزءاً من معركة أوسع على أمن البحر الأحمر.





