المصدر: صحيفة The National
تقرير: حمزة هنداوي
تاريخ النشر: 8 ديسمبر 2024م
بحسب ما قاله ناشطين داعمين للديمقراطية، فإن الإسلاميين يعودون في السودان عبر استغلال الحرب الأهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع من أجل الحصول على النفوذ السياسي عقب خمس سنوات من الإطاحة بالدكتاتور عمر البشير الذين كان يرعاهم في انتفاضة شعبية.
وقال الشيخ عبد الحي يوسف، أحد أكثر القادة الإسلاميين نفوذاً في السودان خلال مقابلة تلفزيونية أجريت معه مؤخرًا: “لقد أرسل الله هذه الحرب لاستعادة ألق وقوة الحركة الإسلامية”. وأضاف: “تم تدريب عشرات الآلاف من شبابنا -الإسلاميين- تحت مسمى المقاومة الشعبية -التي يتم استخدامها لتجنب كلمة الجهاد- على استخدام الأسلحة”.

وقال أيضا، “إن الإسلاميين، وليس الجيش السوداني، هم من يقف خلف الانتصارات الأخيرة في ساحة المعركة ضد قوات الدعم السريع”، وهو الادعاء الذي أثار ردًا غاضبًا من الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة.
وفي خطوة ربما هي الأكثر جرأة للإسلاميين منذ عام 2019، عقد مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقًا، والذي يتزعمه البشير، اجتماعًا الشهر الماضي في عطبرة شمالي السودان؛ حيث انتخب أحمد هارون رئيسًا للحزب، والذي يعد أحد كبار معاوني البشير المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية نظرًا لارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، وذلك خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وقالت نسرين مختار، الناشطة السياسية البارزة والمناصرة لحقوق المرأة في السودان: “إن قرار انتخاب أحمد هارون يوجه رسالة قوية وواضحة للمجتمع الدولي، مفادها أن الإسلام السياسي في السودان قد عاد ودون مراعاة للاعتبارات الأخلاقية أو القانونية”.
وتابعت،”إن انتخاب رجل مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية لهو تطور سياسي خطير، ويؤشر إلى زوال ثورة ديسمبر [2019] التي أطاحت بالبشير”.

ومن المعلوم منذ مدة طويلة، أن القوات التي تتحارب في السودان، وخاصة القوات المسلحة، تحتضن الإسلاميين ضمن صفوف رتبها العليا؛ وهذه ثمار ثلاثة عقود من ما يسمى بسياسة الأسلمة -التمكين- والتي مارسها البشير لضمان تغلغل المؤيدين له داخل المؤسسات الحيوية للدولة، بهدف العمل كدرع ضد الانقلابات العسكرية المحتملة.
ووفقا لناشطين، فإن الإسلاميين يشعرون بالسخط الشديد تجاه السياسيين العلمانيين المؤيدين للديمقراطية، والذين يسعون إلى إجبار الجيش على الخروج من السياسة، كما أن من المعلوم أيضًا، أن الجيش قد سهّل عودة أنصار الديكتاتور السابق إلى الساحة السياسية.
وقال زهير عثمان، الناشط البارز وأحد قيادة الانتفاضة المناهضة للبشير في عام 2019: “لقد سمحت البيئة السياسية المضطربة في السودان، والتي أصبحت أكثر اضطرابًا بسبب الحرب الجارية، لأعضاء حزب المؤتمر الوطني [الإسلامي] بالتحرك بحرية على شتى أصعدة الدولة”.
وبحسب المحلل السوداني البارز عثمان الميرغني وعدد آخر من الناشطين، فإن عودة الإسلاميين إلى موقع النفوذ السياسي في البلد الأفريقي العربي، شاسع الأطراف والغني بالموارد، تحمل عواقب وخيمة محتملة، ليس فقط على السودان، وإنما حتى على أمن كل منطقة شرق إفريقيا والساحل والشرق الأوسط؛ حيث تتقاتل القوات الحكومية والجماعات المتطرفة، في ظل انعدام القانون وسيادة الفوضى.
وطوال التسعة وعشرون عامًا التي دامها الحكم الإسلامي للبشير، كان السودان منبوذًا دوليًا، وقد عانى من عقوبات مدمرة، كما وتشوهت سمعته بسبب انتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع. وفي عهد البشر أيضًا، أصبحت الدولة التي بها تنوع عرقي وديني، والتي لها ساحل طويل على البحر الأحمر الاستراتيجي، بؤرة لجذب المتطرفين؛ فقد أقام بها زعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، في فترة التسعينيات، ليتم تصنيف السودان من قبل الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب.
وقال السيد الميرغني أيضًا،” إن رفض الجنرال البرهان الدائم للمبادرات الخارجية الرامية لإنهاء الحرب الأهلية في السودان عبر المفاوضات، دائما ما يرى، ومن قبل كثيرين، على أنه مدفوع بطموحاته السياسية الخاصة”. وأضاف، “أن هذا الرفض يمكن أن يعزا للإسلاميين نظرا لأنهم يعتقدون جازمين، أن انتصارا عسكريا ساحقا على قوات الدعم السريع، هو تذكرتهم للعودة إلى السلطة في السودان”.
وصرح أيضًا: “إن الإسلاميين يضخمون بشكل تهويلي من مساهمتهم العسكرية في العمليات ضد قوات الدعم السريع؛ ويأتي ذلك كجزء من أجندة سياسية تهدف إلى تشويه صورة الفصائل السياسية المدنية -المناهضة للحرب- والظهور أمام الجمهور السوداني كأبطال أنقذوا السودان”.
وتابع، “واقعيًا، لكل من الجيش والإسلاميين دوافع مختلفة من تحالفهم الحالي؛ ذلك أن البرهان يستخدمهم لصالحه على أمل أن يتمكن من تأمين قيادته للأمة، ومن ثم التخلص منهم لاحقًا، هذا في حين يأمل الإسلاميون في الخروج من الحرب كمنقذين يتمتعون بالدعم الشعبي، يسهل عودتهم إلى السلطة”.

وكانت رحلة الإسلاميين للعودة إلى المشهد السياسي في السودان، قد بدأت عندما استولى الجنرال البرهان عبر انقلاب عسكري بمشاركة حليفه السابق الجنرال دقلو عام 2021. وقد أدى استيلاءهم على السلطة إلى إخراج التحول الديمقراطي في السودان عن مساره، وإلى فراغ سياسي وأمني، كما أنه ألغى العديد من الإجراءات المتخذة لتفكيك إرث نظام البشير وحكمه الفاسد عقب الإطاحة به.
ومع ذلك، يظل اندلاع الحرب الحالية، والتي حققت فيها قوات الدعم السريع مكاسب إقليمية مهمة بسرعة، مما دفع الجيش إلى الخروج من معظم الخرطوم، وكل منطقة دارفور الغربية تقريبًا، وأجزاء من كردفان إلى الجنوب الغربي ومنطقة الجزيرة جنوب العاصمة، الحدث السياسي الأهم الذي سرّع من مسيرة عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي.
وبسبب نقص الجنود، والحرج الناجم عن الهزائم في ساحة المعركة، لجأ الجنرال البرهان وكبار مساعديه في الجيش إلى الإسلاميين، ليمدوه بآلاف المقاتلين الذين خدموا في وقت سابق في ميليشيات البشير سيئة السمعة، وذلك من أجل حمل السلاح والانضمام إليهم في القتال ضد قوات الدعم السريع.
وعقب وقت قصير على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، خرج كبار مساعدي البشير من السجن. وبمجرد إطلاق سراحهم، عملوا بجد من أجل إعادة تنظيم صفوف الإسلاميين، خاصة جماعات حزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي يتزعمه البشير. كما أن البشير نفسه كان قد نقل إلى خارج العاصمة، حيث يقيم الآن بدار حكومية تحميها القوات المسلحة في مدينة مروي شمالي الخرطوم.
ومن جانبه، بذل الجنرال البرهان جهودًا جبارة بهدف إخفاء التوجهات السياسية للآلاف من المتطوعين الذين انضموا إلى القتال معه ضد قوات الدعم السريع، حيث أطلق عليهم اسم “كتائب المقاومة الشعبية” أو “المستنفرين”، وهي تسمية عربية تعني أولئك الذين يستنهضون ويحشدون قواهم خلف قضية ما.
وكان البرهان قد قال عن المتطوعين الذين يبدو أنهم وقادتهم لا يترددون في الإفصاح عن توجهاتهم السياسية، الشهر الماضي: “إن الذين يقاتلون حاليًا ليس لهم انتماء إلى أي شخص… إنهم سودانيون يقاتلون من أجل بلدهم”.
ويطلق هؤلاء المستنفرين على وحداتهم، أسماء ذات ميول إسلامية واضحة، فعلى سبيل المثال، سميت كتائب البراء بن مالك على اسم أحد صحابة النبي محمد، كما أن كتائب البنيان المرصوص مثال آخر على ذلك، وهي كلمة عربية تعني جدارًا من الطوب المحكم البناء وقويه، والذي دائمًا ما يحث الأئمة المسلمين على التشبه به، خاصة عند الاصطفاف للصلاة الجماعية في المساجد.

كما أن مقاطع الفيديو التي تم تداولها عبر الإنترنت لمراسم نهاية التدريب أو استقبال المتطوعين، في الغالب ذات طابع إسلامي مميز أيضًا، سواء كانت الهتافات التي يرددها الرجال أو خطابات المتحدثين الذين يصفون القتال ضد قوات الدعم السريع، بأنه جهاد مقدس.
وقال الشيخ يوسف، في إشارة إلى الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين الحكومة -المركزية- في الخرطوم ومتمردي جنوب السودان الذي تقطنه أغلبية مسيحية ووثنية في الفترة من 1983 إلى 2005: ” لقد دخلت الحركة الإسلامية بكل قوتها وشبابها في هذه الحرب، وطبقت ما تعلمته من الحرب في جنوب السودان في التسعينيات”.
وكانت منظمات حقوقية في السودان قد اتهمت المستنفرين الإسلاميين، بإساءة معاملة المدنيين في المناطق التي استعادتها وحدات الجيش التي يقاتلون إلى جانبها، وهي انتهاكات طالت السكان الذين ينحدرون من دارفور -مسقط رأس قوات الدعم السريع- حيث اتهمتهم بأنهم متعاونون مع، أو جواسيس لقوات الدعم السريع.
وفي هذا الوقت الحرج، فإن انتخاب السيد هارون، كبير مساعدي البشير، لقيادة حزب المؤتمر الوطني، كانت له آثار على الحزب نفسه والأمة. فقد فتح صدعًا داخل الحزب، حيث رفض قيادي بارز في حزب المؤتمر الوطني، إبراهيم محمود حامد، انتخاب السيد هارون، كما أنه أصر على أنه لا يزال الرئيس الشرعي للحزب.
ويبدو أن الانقسام داخل الإسلاميين قد أثار قلق الجنرال البرهان، وخوفًا من أن يؤثر سلبًا على التزام ووحدة الآلاف من المتطوعين الذين يقاتلون إلى جانب الجيش.

وكان الجنرال البرهان قد أكد في خطاب ألقاه أواخر الشهر الماضي، على اعتماد الجيش الكبير على المتطوعين، إضافة إلى التزامه بمواصلة الحرب حتى النصر، وأن اجتماع مجلس شورى المؤتمر الوطني في عطبرة كان مثيرًا للانقسام.
وقال البرهان من بورتسودان، مقر الحكومة المدعومة من الجيش على البحر الأحمر شرقي الخرطوم: “نحن لا نقبل أي نشاط سياسي يهدد وحدة السودان أو مقاتليه”. وأضاف، “نحن لا نحتاج إلى أي صراعات أو انقسامات [سياسية]، فلدينا هدف واحد وهو هزيمة التمرد”.
وجدير بالذكر هنا، أن الجنرال البرهان لم يذكر شيئًا عن ما إذا كان من حق حزب المؤتمر الوطني المنحل عقد اجتماع عام، كما أن تقييمه للتأثير المحتمل للخلاف داخل حزب المؤتمر الوطني، قد وجد صدى له مع الخبير القانوني السوداني مجاهد عثمان.
وقال السيد عثمان: ” إن الوضع لا يستوعب الخلافات السياسية. يجب التعامل مع الأمور بحكمة ويجب ألا يقوم الحزب المنحل بأي نشاط أمام الشعب السوداني والمجتمع الدولي”.





