ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)
د. خالد التجاني
بخصوص منبر جدة الذي ترعاه أمريكا والسعودية، الذي تعثر للمرة الثانية وغير معلوم ما اذا كان تعثرا نهائيا أو ستكون هناك جولة اخرى، اعتقد أنه من المهم قبل البحث عن بدائل يجب اجابة السؤال لحقيقي هو لماذا تعثرت جدة؟ اعتقد أن ميزة جدة هي انها ابتدرت منذ وقت مبكر جدا محاولة البحث عن لا اريد القول تسوية للازمة او الحرب او القتال بل تداركها والتقليل من اثارها في بدايتها بالتالي القضية الاساسية كانت موضوع حماية المدنيين، فالحرب غض النظر عن اسبابها سواء سياسية أو عسكرية او اي اسباب اخرى في النهاية لها اثار على المدنيين ، بالتالي القيمة الاساسية كانت اعلان جدة لحماية المدنيين ، واهميته تكمن في أنه غض النظر عن الاتفاق حول الحرب ومشروعيتها أو غيره، ان قواعده جاءت من أجل حقوق الانسان ووفق القانون الانساني. ان أهم ما توصلت اليه جدة في تقديري حتى الان في ظل كل الجهود الجارية اذا تركنا مواضيع الهدن واي موضوع اخر، فقد كان في تحديد او تعريف حماية المدنيين كيف يمكن أن تكون وفق هذه القوانين الدولية؟.. بالتالي فإن اهم شيء في اعلان جدة هو التفريق بين الاهداف المدنية والاهداف العسكرية هذه واحدة. ثانيا التفريق بين المدنيين والمقاتلين، لأن الحرب منذ وقت مبكر خرجت من اطار الحرب المباشرة بين الجيش والدعم السريع، إذ حدث استهداف واضح أو أن المدنيين وجدوا انفسهم بين شقي الرحى في هذه الحرب. بالتالي هذا كان الاساس الذي قام عليه اتفاق جدة ، كذلك هناك شيء مهم اخر تمت الاشارة له في الديباجة، هو ان تلك المحادثات ليس لها علاقة أو أنها لن تبحث مستقبل سياسي او دور سياسي بل هي عملية متعلقة بالقتال تعريفه وتعريف حدوده حسب القانون الانساني الدولي ووفق معايير حقوق الانسان بالتالي لم يكن لها بعد سياسي، اي انها مقصورة على ذلك. وكان واضح جدا أن معظم الالتزامات على الدعم السريع لأن الدعم السريع منذ اليوم الاول للحرب بعدما استهدف طيران الجيش مقراته الرئيسية في الخرطوم وبالتالي فقد السيطرة عليها ، مباشرة اتجه لعملية احتلال بيوت المواطنين والاعيان المدنية سواء مستشفيات أو غيره أو غيره، بالتالي معظم الالتزامات كانت واقعة على الدعم السريع ولكن للاسف الشديد لم يتم الالتزام بها وحتى اليوم. بالتالي اصبح تعريف الحرب، هل هي حرب ضد المؤسسة العسكرية أم تحولت لدى الدعم السريع من حرب ضد الجيش الى حرب ضد المدنيين في ظل حالة النزوح الكبير الذي حدث من الخرطوم وفي غيرها وكذلك الانتهاكات الموثقة من قبل اطراف دولية لا يمكن القول انها موالية للجيش او غيره.. لذلك اعتقد هذه واحدة من الاسباب التي ادت الى أن يتعثر اتفاق جدة او يفشل لأنه لم تكن هناك الية للالزام للايفاء بهذه التعهدات. اعتقد الجانب الثاني متعلق بأن الوساطة نفسها قصير، صحيح هي معتمدة على قوتين مهمتين هي الولايات المتحدة الامريكية والمملكة العربية السعودية لكن في تقديري لم تكن لديهم الرغبة او الارادة او القدرة لاستخدام الثقل الدولي والاقليمي لأمريكا والسعودية بممارسة ضغوط للالتزام على الاقل باعلان حماية المدنيين، واعتقد أن هذه واحدة من الاسباب التي جعلت هذه القضية لا تنجح. أو ليس لها مستقبل في ظل تمسك كل طرف بموقفه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى هناك اشكالية اخرى متعلقة بهذه المبادرة أو الدور الدولي عموما من الحرب في السودان ويتمثل في تناقض واضح جدا من امرين، انه عمليا منذ خروج البرهان تم التعامل معه دوليا بشرعية على الاقل باعتباره سلطة امر واقع وان هذه سلطة الدولة السودانية ويمثلها البرهان وبهذه الصفة تم استقباله في الامم المتحدة وزياراته لدول الاقليم المختلفة ، وهو أمر مهم جدا انه عندما تعترف دوليا بوضع ما اذا يمكن ان يترتب على ذلك موقف سياسي .. اذ لا يمكن أن تتحدث عن طرفين في القتال وفي ذات الوقت انت تعترف بطرف محدد او معين وهو الممثل للمؤسسة العسكرية وهو البرهان باعتباره قائد الجي او مجلس السيادة باعتباره سلطة الامر الواقع او السلطة التي لها شرعية دولية .. لكن في نفس الوقت التعامل الذي يتم سياسيا على مستوى التفاوض ايضا انهما طؤفين متكافئين كانما هناك شرعيتين في السودان متنازعتين بين الجيش والدعم السريع وهذا في تقديري خلل أخر ادى في نهاية الامر الى ما ترتب على ذلك، اذا كان هناك طرف يعتقد انه صاحب السلطة الشرعية وهناك طرف اخر قام بعملية عسكرية يعتبر متمردا وهذه واحدة من الاشكاليات الاخرى في الفصل بين من هي السلطة الشرعية وبالتالي كيف يمكن التعامل معها . المشكلة الاخرى العقوبات التي فرضت على الدعم الرسيع على خلفية الانتهاكات بالذات في الجنينة، واضح أنه ايضا ترتب عليها موقف سياسي محدد، فمجرد الادانات تنعكس في موقف سياسي ، بدليل انه سيتكرر مرة أخرى. لذلك اعتقد هذا التشويش فيه اشكال. يجب الوضع في الاعتبار ايضا الموقف الاقليمي منذ بداية الحرب التوتر مع الاتحاد الافريقي والايقاد الان يبدو ان ثمة تغيير في الموقف مرة اخرى انتقلوا من الحديث عن ان هناك فراغ في السلطة ، والتعامل مع البرهان باعتباره رئيس. اعتقد في تقديري ان البحث عن حلول خارجية لهذا الصراع بابعاده السياسية والاجتماعية وغيره، لا يمكن أن يفرض من الخارج.. والخارج حقيقة ليس ل\ديه قوة للحلول ليفرضها، خصوصا وانه استجاب لطلب الحكومة أو مجلس السيادة بانهاء تفويض البعثة السياسية التي تم التصويت عليها بـ 14 صوت وهذا يعزز من شرعية السلطة القائمة الان.. لكن عموما أعتقد أن النتيجة الفعلية لذلك انه لا يوجد امكانية حلول خارجية من واقع ما ذكرت، وهذا يعني انه لا يوجد بديل خارجي لحل هذه الازمة، مهما حاولت الاطراف الاستعانة باي طرف في ظل حالة الاستقطاب الاقليمي والدولي حول السودان ، وفي النهاية اعتقد انه لن ينجح. البديل الوحيد المتاح أن يكون هناك حل وطني اي حوار بين الاطراف السودانية المختلفة وهذا لن يتحقق الا اذا توفرت لدى الجميع لايجاد حل وطني ، وان يقوم هذا الحل على حوار سوداني سوداني، واهم شرط لهذا الحوار ان يستند على ايقاف حالة الاستقطاب السياسي التي لم تستطع الحرب برغم فظاعتها أن تغييرها، وحالة الاستقطاب السياسي الحاد قائم على خطاب اقصائي سواء من الداعمين للجيش أو الداعمين للدعم السريع بالتالي كل طرف يتعامل بالعقلية القديمة بالاقصاء وهذا الاقصاء يجعل من اي حوار سوداني سوداني بلا قيمة. لذلك يتطلب هذا ان يكون هناك حوار قائم على انه لا يوجد اي احد يملك ان يقصي اي طرف من المعادلة السياسية عموما في البلد والجهة الوحيدة التي تملك هذا الحق هي الشعب عندما يتمكن من اتخاذ قراره يحدد من يقصي أو يختار او لا يختار ، اما الان لا توجد اي مشروعية لأي طرف ليقرر ان يقصي طرف اخر من هذه المعادلة. واعتقد انه بدون هذا الحوار السوداني السوداني الحقيقي يضع في الاعتبار كل المآسي الانسانية الناتجة بسبب الحرب لا اعتقد سيكون هناك حل من الخارج او حتى من الداخل، وبالتالي استمرار لغة البندقية وفي النهاية لن تحل فأي حرب مهما كانت ستنتهي بتفاوض وهنا دور القوى المدنية، واعتقد أن هناك مشكلة اخرى وهي الصراع والانقسامات وسط القوى المدنية بمختلف مسمياتها ، هذه القوى السياسية المختلفة سواء مع هذا الطرف او ذاك للاسف يجب ان تفهم انهاى اذا لم تتفق سيكون البلديل هو سيطرة عسكرية على السياسة في السودان ستكون هناك مزيدا من العسكرة في السياسة في السودان لذلك هذا سبب كافي أن الاطراف تتخلى عن صراعاتها حتى يمكن لها ان تستعيد الحكم المدني، لكن اي محاولة لاستمرار هذا الاستقطاب المتبادل وهذا الانقسام اعتقد سيتفيد منه العسكر الذين يرغبون في استمكرار سلطتهم في السودان. اما الحديث عن مستقبل الاسلاميين، حقيقة لا يوجد جهة واحدة يمكن ان تسمى بالاسلاميين أو جهة واحدة هم الاسلاميين أو فريق واحد ، وهذه واحدة الاشكاليات في السودان نتيجة لهذا التصنيف وهو غير موضوعي لأنه لا توجد كتلة واحدة أو حزب واحد او تنظيم واحد اسمه الاسلامين بدليل أن هناك اسلاميين موجودين داعمين للجيش واسلاميين داعمين للدعم السريع هناك اسلاميين مع قوى الحرية والتغيير في الاتفاق الاطاري كالمؤتمر الشعبي اي انه لايوجد جهة واحدة اسمها الاسلاميين ، واعتقد ان هذه واحدة من الاشكاليات في التحليل، فالاسلاميين مدارس مختلفة وتيارات لديها خيارات مختلفة بالتالي اذا ظل الناس يتعاملون مع معطى مجهول اسمه الاسلاميين اعتقد ان ذلك لن يؤدي الى حل .. بالتالي لا يوجد شيء اسمه مستقبل الاسلاميين لأن هناك سؤال من هم الاسلاميين؟ وهذا يحتاج تعريف اصلا.. لأنهم موجودون في كل المجموعات الموجودة حاليا لذا يجب استصحاب ذلك في التحليل.. عموما للاسف الشديد لا يوجد حاليا معطيات تشير لتغيير الوضع الراهن فالفاعلين في المشهد هما الجيش والدعم السريع والبندقية صاجحبة الكلمة، وبدون قيادات سياسية او اطروحات سياسية وحلول سيظل الوضع كما هو عليه.