رسالة عيد الفطر المبارك
إلى أهلنا في السودان كافة،
إلى النازحين واللاجئين والمتأثرين بالحرب،
إلى الشركاء في الميدان، والمانحين، والمؤثرين،
إلى مؤسسات الدولة، والمنظمات الدولية والأممية والوطنية،
وإلى كل من يحمل همّ الإنسان السوداني في قلبه وضميره…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بمناسبة عيد الفطر المبارك، أتقدم إليكم جميعًا، باسمي وباسم أسرة الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، بأصدق التهاني وأخلص التبريكات، سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيد هذه المناسبة على بلادنا وقد انقشع عنها ليل الحرب، وحلّ السلام، وعاد الأمان، واستعاد الإنسان السوداني كرامته وحقه في الحياة.
يأتي هذا العيد، والسودان يمرّ بأصعب وأدق مرحلة في تاريخه الحديث. فمنذ الخامس عشر من أبريل 2023، تعيش بلادنا تحت وطأة حربٍ طالت آثارها كل بيت، وأثقلت كاهل الإنسان، وخلّفت واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة. فقد ربّ الأسرة مصدر دخله، وفقدت الأسر منازلها، واضطر الملايين إلى النزوح من مدنهم وقراهم، ليجدوا أنفسهم في مدارس ومراكز إيواء، بلا غذاء كافٍ، ولا رعاية صحية أولية، ولا مياه نظيفة، ولا خدمات أساسية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
لقد زرت بنفسي آلاف النازحين والمتأثرين داخل السودان، ولاجئين من دول الجوار، ورأيت بعيني حجم الألم والصبر معًا. رأيت أمهات يخفين وجعهن ليحمين أطفالهن، وشيوخًا أثقلهم الفقد، وشبابًا كُسرت أحلامهم لكن لم تنكسر إرادتهم. وهنا، أتوجه بنداء صادق:
لكل من بيده فضل أو قدرة أو تأثير، أعيدوا هذا الفضل إلى هؤلاء… فهم أحق الناس به.
رسائل أساسية نوجّهها في هذا العيد
أولًا: نحن موجودون… وماضون في التزامنا
نؤكد بوضوح: الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية موجودة، وستظل موجودة، ثابتة في التزامها بمسؤوليتها الوطنية والإنسانية. سنواصل رحلتنا بإقدامٍ وعزم، رغم المخاطر والتحديات وتعقيدات المشهد السياسي والأمني، لأن المبادرة والعمل المسؤول هما الخيار الوحيد حين يكون الإنسان محاصرًا في قلب الصراع، وحين تتعاظم الحاجة إلى من يتقدّم لا من يتراجع.
ثانيًا: نناصر القضية الإنسانية بلا تردد
نحن نؤمن أن هذه الأزمة ليست أرقامًا وتقارير، بل حياة بشر. وسنواصل المناصرة الفاعلة لحشد الموارد، وتوسيع الشراكات، وتحسين الاستجابة الإنسانية، وتوجيه الموارد المحدودة إلى الجميع مع التركيز على الأكثر تضررًا والأكثر احتياجًا في كل أنحاء السودان، دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الجهة أو الانتماء السياسي.
ثالثًا: قيادة إنسانية قائمة على الحوكمة والنزاهة
لقد حمّلني الله مسؤولية قيادة هذه الوكالة في توقيتٍ استثنائي، يتطلب شجاعةً وبصيرة، وصبرًا وتجردًا، وهي مسؤولية أؤديها اليوم مستندًا إلى دعم وثقة مجلس الإدارة، وبإسنادٍ كامل من شركائنا الوطنيين والدوليين، وإيمانٍ عميق برسالة العمل الإنساني.
وأؤكد لكم أنني، ومع فريق الوكالة، سنقود هذا العمل على أسس واضحة لا لبس فيها:
• حوكمة رشيدة تضبط الأداء وتمنع الانحراف،
• مسؤولية ومساءلة تحمي الموارد وتُعلي قيمة الخدمة العامة،
• شفافية ونزاهة تبني الثقة وتُصون السمعة المؤسسية،
• وسياسات عادلة تدعم السلام وتحفظ كرامة الإنسان دون تمييز.
نحن نعمل في رقعة جغرافية شاسعة ومعقّدة، لا سيما في دارفور وكردفان، حيث التباعد الجغرافي، والمخاطر الأمنية، والاستهداف المباشر للمرافق المدنية. ومع ذلك، سنظل نؤدي واجبنا بتوازنٍ وحكمة، مستندين إلى الحقائق والمعرفة والمعلومات، وبالتنسيق الوثيق مع شركائنا، وبإرادةٍ لا تلين في أن يصل العون إلى مستحقيه.
رابعًا: الشراكة من أجل السلام والعمل الإنساني المشترك
ونغتنم هذه المناسبة لنعرب عن تهانينا ودعمنا لكل الجهود الرامية إلى إرساء السلام، ونؤكد استعدادنا الكامل للتعاون البنّاء مع حكومة السلام، في إطار مؤسسي منظم تحكمه سياسات واضحة، ويهدف إلى تنسيق الجهد المشترك وتوفير حلول عملية للهمّ الإنساني المشترك.
إننا نؤمن بأن الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل، والحوكمة الرشيدة، وتكامل الأدوار، هي الطريق الأنجع لتعزيز الاستقرار، وتخفيف المعاناة، وخدمة الإنسان السوداني في كل ربوع الوطن.
موقف أخلاقي لا لبس فيه
إن قصف المرافق المدنية من مستشفيات ومدارس وأسواق، وسقوط المدنيين من النساء والأطفال، هو أمر لا تقبله الفطرة السليمة، ولا القيم السودانية، ولا المبادئ الإسلامية، ولا القوانين والمواثيق الدولية.
ونحن نُدين بشدة كل الانتهاكات بحق المدنيين، وندعو أطراف الصراع إلى الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في حماية المدنيين، واحترام قدسية الحياة الإنسانية.
كلمة من القلب
العمل الإنساني ليس وظيفة، بل عهد أخلاقي.
هو عمل يتطلب أن نسمو فوق الجراح، وأن نختار الإنسان أولًا، وأن نتحرك بضميرٍ حيّ، حتى حين تضيق السبل.
في هذا العيد، نجدد التزامنا الراسخ نحو غدٍ أفضل، نتحلى فيه بالمسؤولية، ونتمسك بالأمل، ونواصل العمل بلا كلل حتى تخفّ المعاناة، ويستعيد السودان عافيته.
كل عام وأنتم بخير،
والسلام على السودان وأهله.




