رأي

عمار سعيد يكتب : **السودان… ساحة اختبار عالمي للأسلحة والمسيرات والمضادات**

*تحليل لمسار حرب تحوّلت إلى مختبر عسكري مفتوح**

مقدمة

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عام 2023، انفتح البلد على واحدة من أعقد حروب القرن، حرب لم تعد مواجهة داخلية فقط، بل تحولت إلى ميدان عالمي لتجريب الأسلحة والمسيرات والمضادات الدفاعية القادمة من عدة دول تبحث عن النفوذ، وعن أسواق جديدة لترويج صناعاتها العسكرية.

ومع تزايد الضربات الجوية، وتدفّق المسيرات الهجومية، وتنامي أنظمة الدفاع الجوي، بدأت ملامح المشهد تزداد وضوحاً:

 • الجيش السوداني → يعتمد على الطيران، والقصف، والأسلحة الهجومية، والمخزونات السورية القديمة بما فيها مواد كيميائية.

 • قوات الدعم السريع → تعتمد على منظومات دفاع جوي، ومضادات، وأسحلة خفيفة تقليدية لحماية المدن والسكان.

هذا الاختلال في طبيعة التسليح يعكس بشكل صريح من هو الطرف المهاجم، ومن هو الطرف الذي يقاتل في وضعية الدفاع.

أولاً: خارطة تسليح تكشف حجم التدخل الدولي

خلال العامين الماضيين، دخلت إلى السودان أنواع متعددة من الأسلحة المتطورة، أبرزها:

 • الطائرات المسيّرة الهجومية

 • الطائرات الانتحارية

 • أنظمة تشويش إلكتروني

 • رادارات محمولة

 • صواريخ قصيرة المدى

 • منظومات دفاع جوّي

 • قنابل وذخائر كيميائية من مخزون النظام السوري السابق

هذا التدفق جعل السودان أشبه بـ ورشة اختبار عالمية، حيث تواجه المسيرات الإيرانية والتركية المضادات والرادارات لدى قوات الدعم السريع، وتُختبر فعالية كل منظومة في ظروف قتال حقيقية ومتنوعة.

ثانياً: المسيرات الإيرانية… “مهاجر-6” فوق سماء السودان

أكّدت تقارير عسكرية مفتوحة المصدر أن الجيش السوداني تلقّى طائرات مسيّرة إيرانية متقدمة، أبرزها:

 • مهاجر-6

 • مهاجر-4

 • أبابيل

تملك هذه المسيرات قدرة على حمل ذخائر دقيقة وتعمل لساعات طويلة، واستُخدمت في مهام الاستطلاع والقصف، ما جعل السودان منصة اختبار ميدانية لطائرات إيران التي تبحث عن أسواق جديدة وسط العقوبات الدولية.

ثالثاً: المسيرات التركية “بيرقدار” و“أقنجي”… تجارب قاسية في الميدان

وصلت إلى الجيش السوداني أيضاً مسيرات تركية متطورة مثل:

 • Bayraktar TB2

 • Bayraktar Akıncı

استخدمها الجيش بكثافة في ضرب مواقع قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان والخرطوم، لكن في المقابل، نجحت المضادات التي تملكها قوات الدعم السريع في إسقاط عدد من هذه المسيرات، ما وفر بيانات مهمة للمصنّع التركي حول نقاط الضعف في ظروف حرب حقيقية.

رابعاً: الدور المصري… أسلحة هجومية ومخزونات سورية قديمة

تدفّق جزء من تسليح الجيش السوداني عبر قنوات دعم مصرية، شمل:

 • ذخائر وقنابل جوية

 • أسلحة هجومية من مخزونات قديمة

 • مواد كيميائية وعناصر سامة من ترسانة النظام السوري السابقة

هذا يشير إلى أن الجيش يعتمد بشكل واضح على إمداد هجومي يهدف لفرض تفوق عبر القصف من الجو والأرض، باستخدام أنواع من الذخائر بعضها محظور دولياً.

خامساً: قوات الدعم السريع… عقيدة دفاعية بحتة

على الجانب الآخر، فإن طبيعة الأسلحة التي تستخدمها قوات الدعم السريع تشير بوضوح إلى أنها:

 • تعتمد على منظومات دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى

 • تستخدم مضادات الطيران المحمولة

 • تشغل أنظمة رادار مبسّطة

 • تستعين بأسلحة خفيفة ومتوسطة تقليدية

 • تعمل على حماية المدن والقرى داخل مناطق سيطرتها

هذه المنظومات مكّنتها من تحييد جزء كبير من التفوق الجوي للجيش، ومنع الطيران من تنفيذ ضربات حرة فوق مناطق واسعة من دارفور.

سادساً: الهجمات الجوية… أقوى دليل على أن الجيش هو الطرف المهاجم

من أهم الحقائق التي تُظهر شكل الحرب في السودان هو الاعتماد المكثّف للجيش على الهجمات الجوية:

1. آلاف الضحايا المدنيين

الهجمات الجوية التي نفّذها الجيش السوداني منذ بداية الحرب تسببت في:

 • مقتل آلاف المدنيين

 • تدمير أحياء كاملة

 • استهداف أسواق، مستشفيات، طرق رئيسية

 • موجات نزوح هائلة

وهو ما يجعل القصف الجوي أحد أكبر مصادر سقوط الضحايا في الحرب.

2. مئات الطلعات الجوية

تم توثيق مئات الطلعات الجوية للجيش التي استهدفت:

 • الخرطوم

 • أم درمان

 • دارفور

 • كردفان

 • مدن وأرياف متعددة

ويُعدّ استخدامه للطيران منذ اليوم الأول للحرب في العاصمة – التي يسكنها أكثر من ٩ ملايين شخص – مؤشراً واضحاً على استراتيجية هجومية تعتمد بشكل رئيسي على القصف.

3. دارفور وكردفان… أكبر مسارح الدمار

شهد الإقليمان أعلى نسب للقصف الجوي، واستُهدفت قرى بكاملها، وأسواق شعبية، ومراكز مدنية. تكرار الضربات وتزامنها يؤكد أنها عمليات منظمة وممنهجة، وليست أخطاء عشوائية.

4. الدلالة العسكرية

مَن يملك الطيران ويستخدم القصف هو الطرف الذي يسعى للهجوم والتقدم.

ومَن يملك المضادات ويحمي المدن هو الطرف الذي يقاتل في وضعية دفاع.

5. الدلالة القانونية

حجم الضحايا المدنيين الناتج عن القصف الجوي يكفي لتأسيس مطالبات دولية بخصوص:

 • فرض عقوبات على قيادات الجيش

 • إنشاء مناطق حظر طيران فوق المدن والمناطق المأهولة

 • فتح تحقيقات دولية حول استخدام أسلحة محرمة أو قصف عشوائي

سابعاً: لماذا السودان ميدان مثالي لتجريب السلاح؟

لعدة أسباب متداخلة:

 1. تنوع البيئات القتالية: مدن مزدحمة + صحارى مفتوحة + قرى معزولة

 2. اتساع مسرح العمليات: من الخرطوم إلى الفاشر ونيالا وزالنجي والأبيض

 3. ضعف الرقابة الدولية على السلاح: غياب تطبيق فعلي لحظر التسليح

 4. رغبة المصنّعين في تجريب منتجاتهم الجديدة

 5. وجود طرفين مختلفين تماماً في نوعية التسليح: هجوم مقابل دفاع

بهذا تصبح الحرب في السودان بمثابة “مختبر حي”، تُجمع فيه بيانات في الوقت الحقيقي حول:

 • دقة الذخائر

 • متانة المسيرات

 • فعالية الرادارات

 • قدرة المضادات على إسقاط أهداف حقيقية

كل المعطيات تشير إلى أن السودان تحوّل فعلياً إلى:

ميدان عالمي لتجريب الأسلحة والمسيّرات والمضادات، وسط غياب كامل للمحاسبة الدولية.

فالجيش السوداني يعتمد على:

 • القصف الجوي

 • الأسلحة الهجومية

 • المسيرات المتقدمة

 • المخزونات السورية القديمة، بما فيها مواد كيميائية

بينما تعتمد قوات الدعم السريع على:

 • منظومات دفاع جوي

 • مضادات

 • أسلحة خفيفة

 • حماية المدن داخل نطاق سيطرتها

هذا التناقض الحاد في طبيعة التسليح، إضافة إلى آلاف الضحايا المدنيين نتيجة القصف الجوي، يعزّز النتيجة الأساسية:

أن الجيش هو الطرف المبادر بالهجوم، وأن الدعم السريع تقاتل في وضعية دفاع لحماية المدن والسكان.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الشعب السوداني هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن… بينما تتحول أرضه إلى مختبر دولي للأسلحة الحديثة وقديمة المحظورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى