في مشهد سوداني دامٍ يتسم بالفوضى والتشظي، تبدو قيادة الجيش السوداني، ممثلة في الفريق عبد الفتاح البرهان، غارقة في مستنقع حرب استنزاف طويلة الأمد، فقدت فيها زمام المبادرة وتقهقرت إلى موقع الدفاع المكلف سياسيًا وميدانيًا، لتجد نفسها اليوم أمام مأزق تاريخي يهدد ليس فقط وجود المؤسسة العسكرية كفاعل وطني جامع، بل مستقبل السودان برمته.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، راهن الجيش السوداني على ما ظنه تفوقًا تقليديًا في العتاد والانضباط والسيطرة على المجال الجوي (حرب الساعات الست) كما وصفوها، إلا أن هذا التفوق المزعوم بدأ يتلاشى تدريجيًا تحت وقع الهجمات النوعية المتصاعدة بالطائرات المسيرة، التي طالت أهدافًا استراتيجية في بورتسودان، عطبرة، مدني، شندي، وكوستي. هذه الهجمات، تفضح هشاشة الدفاعات الجوية للجيش وتؤكد أن ساحة المعركة لم تعدّ حكرًا على الكتائب الثقيلة، بل باتت مرهونة بمن يمتلك المرونة التقنية وسرعة التحول والتكتيك.
لكن التدهور العسكري ليس سوى رأس جبل الجليد، إذ أن العجز السياسي والاستراتيجي للقيادة العسكرية هو ما يدق ناقوس الخطر الأكبر. فبدلًا من البحث عن تسوية سياسية توقف نزيف الدم وتعيد للسودان شيئًا من استقراره، فضّلت القيادة العسكرية الارتماء في أحضان حلف إقليمي ودولي متناقض المصالح، شمل إيران وكوريا الشمالية وروسيا من جهة، وتركيا ومصر والجزائر من جهة أخرى، وكلها قوى لا يجمعها سوى الرغبة في الاستفادة من هشاشة السودان وتحويله إلى ساحة نفوذ وورقة مساومة في صراعاتهم الكبرى.
هذا التناقض في التحالفات لا يعكس فقط ضعف البوصلة الاستراتيجية للقيادة العسكرية، بل يكشف أيضًا حالة من التخبط السياسي والارتهان التام لإرادة الخارج. فكلما طال أمد الحرب، ازداد الجيش اعتمادًا على الدعم العسكري الخارجي، حتى لو جاء من أنظمة معزولة دوليًا أو من دول ذات سجل معادٍ لحقوق الإنسان، ما يضع السودان على عتبة عزلة أعمق ويزيد من كلفة إعادة الاندماج الدولي بعد الحرب.
أما داخليًا، فإن ارتهان الجيش لحلفاء من فلول النظام السابق، من إسلاميين متشددين وميليشيات قبلية مسلحة، يعكس إفلاسًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويؤكد أن المؤسسة التي كان يفترض بها حماية الدولة الوطنية، أصبحت أداة في يد تيار يسعى لإعادة تدوير نفسه بالقوة في مرحلة ما بعد الثورة، متحديًا بذلك إرادة الشارع وتطلعاته نحو تحول ديمقراطي حقيقي.
لقد فشل الجيش في كسب الحاضنة الشعبية، وتقلصت مناطق سيطرته إلى جيوب معزولة تعتمد على الحماية الأجنبية أكثر من الاعتماد على قدرة ذاتية، وهو ما ينذر بخسارة وشيكة إذا استمرت المعادلة العسكرية على هذا النحو. فالحرب، كما يراها المراقبون اليوم، لم تعد صراعًا بين جيش و(ميليشيا) كما تسعى لتوصيفها بعض الأطراف بل معركة بين من يملك مشروعًا للسيطرة ومن يفتقد حتى لرؤية الخروج من الأزمة.
إن من يطرق أبواب إيران وكوريا الشمالية بحثًا عن طائرات مسيرة، وأسلحة كيميائية محرمة ويعتمد على ميليشيات إرهابية متشددة أو قبلية لمواجهة (تمرّد مسلح) كما يدعي لا يبحث عن النصر بقدر ما يسعى لتأجيل الهزيمة. وبهذا المعنى، فإن الهزيمة ليست فقط عسكرية، بل سياسية واستراتيجية، يتجلى فيها حجم الانتحار الجماعي الذي اختارته قيادة لم تعد تملك قرار الحرب ولا قرار السلم.





