رأي

عمار سعيد يكتب : نيالا: سماءٌ مؤمّنة… وأرضٌ تتآكلها الفوضى

في مشهدٍ يكاد يختزل مفارقات الدولة الهشّة، تقف مدينة نيالا على حدّ التناقض الصارخ: سماءٌ محروسة بإحكام، تُحبط فيها الهجمات وتُردّ عنها الأخطار، وأرضٌ مثقلة بالاختلال، تتنازعها مظاهر الفوضى والانفلات الأمني. هذه الازدواجية لا تعبّر فقط عن خللٍ في توزيع القوة، بل تكشف عن أزمة أعمق في بنية الأمن وإدارته، حيث تتقدّم القدرة العسكرية في بعدٍ واحد، بينما تتراجع السيطرة المدنية في أبعادٍ أخرى لا تقلّ خطورة.

لقد نجحت المنظومات الدفاعية والمضادات الأرضية في فرض معادلة ردعٍ واضحة في الفضاء، وأثبتت قدرة على حماية المجال الجوي لنيالا من التهديدات المتكررة. هذا الإنجاز، من حيث المبدأ، ليس تفصيلاً عابراً، بل هو عنصر حاسم في سياق حربٍ مفتوحة تتداخل فيها الجبهات وتتشابك فيها المصالح. غير أن هذه النجاحات الجوية، على أهميتها، لم تنعكس بذات القوة على الأرض، حيث لا تزال المدينة تعاني من هشاشة أمنية يومية، تُقوّض إحساس المواطن بالأمان، وتُضعف ثقة المجتمع في مؤسسات الحماية.

تتجلّى مظاهر هذا الخلل في سلسلة من الانتهاكات التي باتت تشكّل نمطاً مقلقاً: اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة، استهداف مباشر للأفراد، عمليات خطف، وجرائم تُرتكب في وضح النهار أحياناً، دون رادعٍ كافٍ أو استجابة حاسمة. هذه الوقائع لا يمكن اختزالها في مجرد “تفلتات” معزولة، بل تعكس فجوة حقيقية في منظومة الضبط الأمني، سواء على مستوى الانتشار، أو التنسيق، أو القدرة على الاستجابة السريعة.

اللافت أن هذه الفوضى تتزامن مع مجهودات كبيرة تبذلها الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: أين تكمن الحلقة المفقودة؟ الإجابة، على الأرجح، لا تتعلق بغياب الجهد، بل بغياب التكامل. فالأمن، في جوهره، ليس مجرد انتشار للقوات أو امتلاك للعتاد، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من المعلومات، وتمر بالتخطيط، وتنتهي بالتنفيذ والمحاسبة. وعندما تختل إحدى هذه الحلقات، يصبح الإنجاز الجزئي—مهما كان كبيراً—غير كافٍ لضمان الاستقرار الشامل.

في هذا السياق، تجد الإدارة المدنية نفسها في مواجهة ضغطٍ مركّب. فهي من جهة مطالبة بتقديم الخدمات وإدارة شؤون الحياة اليومية في بيئة مضطربة، ومن جهة أخرى تتحمّل تبعات اختلالات أمنية ليست بالضرورة ضمن نطاق سيطرتها المباشرة. هذا الوضع يضعف قدرتها على الفعل، ويجعلها عرضة لانتقادات متزايدة من مجتمعٍ أنهكته الأزمات، ويتطلّع إلى حدّ أدنى من الاستقرار.

إن استمرار هذه المفارقة—سماء آمنة وأرض مضطربة—ينذر بتداعيات خطيرة. فالأمن لا يُقاس فقط بغياب التهديدات الكبرى، بل بقدرة الفرد على العيش دون خوف في تفاصيل حياته اليومية. وعندما يشعر المواطن أن حياته وممتلكاته عرضة للخطر، فإن ذلك يفتح الباب أمام تآكل الثقة، وتنامي النزعات الفردية للحماية، وربما الانزلاق نحو أشكال من العدالة الذاتية التي تزيد المشهد تعقيداً.

المطلوب، إذن، ليس فقط تعزيز القبضة الأمنية، بل إعادة هندسة المنظومة برمّتها. ذلك يشمل رفع كفاءة التنسيق بين الأجهزة المختلفة، وتفعيل العمل الاستخباراتي الميداني، وتوسيع نطاق الانتشار الأمني في الأحياء، مع اعتماد مقاربات مجتمعية تُشرك السكان في حماية بيئتهم، دون أن تُحمّلهم عبء الدولة. كما أن فرض سيادة القانون—بلا انتقائية—يظلّ حجر الزاوية في أي محاولة جادّة لاستعادة الاستقرار.

في النهاية، لا يمكن لمدينة أن تعيش طويلاً على توازنٍ مختلّ. فكما أن حماية السماء ضرورة، فإن تأمين الأرض هو الشرط الأساسي لبقاء المجتمع. ونيالا، وهي تقف اليوم عند هذا المفترق، تحتاج إلى أكثر من إنجازات جزئية؛ تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد وصل ما انقطع بين القوة والنظام، بين الردع والاستقرار، وبين الدولة ومواطنيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى