تقارير وتحقيقات

كارثة بيئية تتهدد شمال دارفور: “السيانيد السام” يزحف نحو آبار وخزان «مليط»

الجماهير :  تحقيق خاص (مليط)

مليط، السودان

– بينما تتصارع السلطات في شمال دارفور على إحلال الأمن، تتسلل “كارثة بيئية صامتة” إلى قلب المنطقة، مهددة حياة الإنسان والحيوان. ففي تحول مثير للقلق، عاد استخدام مادة السيانيد شديدة السمية، والتي سبق أن خلفت آثاراً مدمرة في ولايات أخرى، ليطفو على السطح مجدداً في مواقع تعدين الذهب حول مليط، مستغلاً الفراغ الأمني وغياب الرقابة الحكومية.

تتركز المخاطر الحالية في مناطق جبل كوركزي (العكيرشة)، أم عجاجة، وعوج الدرب، حيث يقوم أفراد باستخدام السيانيد “بصورة عشوائية” في معالجة مخلفات التعدين المعروفة محلياً باسم “الكرتة”. الكارثة المحتملة تكمن في أن هذه المواقع هي المصب والمجرى الرئيسي الذي يغذي حوض مليط الجوفي وخزان مليط، الذي تعتمد عليه المدينة بالكامل لتوفير مياه الشرب، ري الجنائن التي تمد نصف المدينة بالخضروات، وسقاية الثروة الحيوانية.

 السيانيد: كفاءة اقتصادية… وسم بيئي وخيم

يُعرف السيانيد بفعاليته وكفاءته العالية في استخلاص الذهب بعد عمليات الاستخلاص الأولي بالزئبق. لكن خطورته تكمن في كونه مادة سامة تسبب تلوثاً بيئياً وخيماً يطال المياه، التربة، والهواء.

الدكتور عيد إبراهيم بريمة، أكاديمي متخصص في الكيمياء التحليلية من المملكة المتحدة، أكد لـ “الجماهير” فداحة الأثر:

 “عدم وجود الحرارة والأكسجين يُبقي السيانيد في التربة لأطول فترة ممكنة، قد تتجاوز عشرات السنين. بل إنه يُكوّن روابط مع المعادن في التربة تزيد من حركته وانتقاله، ويظل ساماً.”

وحذر د. بريمة من أن الزراعة والأعشاب التي تنمو في التربة الملوثة تصبح هي كذلك ملوثة، وينتقل السم عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان والحيوان.

دروس من جنوب كردفان: الإجهاض وتشوّه المواليد

هذا التهديد ليس جديداً على السودان. فقد شهدت ولايات مثل نهر النيل، البحر الأحمر، وجنوب كردفان صراعاً اجتماعيا امتد لسنوات بسبب استخدام الشركات للسيانيد.

الآثار الكارثية التي خلفها السيانيد في جنوب كردفان، خاصة المنطقة الشرقية، لا تزال ماثلة خاصة:

  إجهاض متكرر للنساء وولادة أطفال مشوهين.

  نفوق آلاف قطعان الماشية.

  تلف واسع للأراضي الزراعية.

ويُشار إلى أن شركات تتبع للجيش والحركات المشتركة استغلت غياب السلطة الشرعية لإعادة استخدام هذه المادة، ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو المدمر في دارفور.

قرارات الرفض ومواجهات متوقعة في مليط

الأفراد الذين يديرون أحواض السيانيد حالياً في مليط يوظفون عمالاً ويتجنبون الظهور العلني تحسباً للمواجهات، لكن الغضب الشعبي يتصاعد.

  البيانات الرسمية: أصدرت الإدارة المدنية بمليط، برئاسة إبراهيم ركزة، قراراً رسمياً (حصلت “الجماهير” على نسخة منه) يمنع استخدام مادة السيانيد في المحلية بشكل قاطع.

  الحراك الشبابي: أصدر “تجمع شباب مليط” بياناً موجهاً إلى قائد قوات الدعم السريع ورئيس الإدارة المدنية والمدير التنفيذي، يرفضون فيه الاستخدام ويحذرون من تفاقم الوضع.

لكن رغم هذه القرارات والتحذيرات، يواصل أصحاب الأحواض عملهم في جبل كوركزي وأم عجاجة وعوج الدرب. هذه الاستمرارية أدت إلى احتكاكات كادت أن تتطور إلى مواجهات عنيفة، لم يمنعها سوى “حكمة المجتمع المحلي”.

 الحظر العالمي وتدابير الحماية المطلوبة

على الصعيد الدولي، مُنع استخدام السيانيد في التعدين بموجب معاهدات في عدة دول، أبرزها دول الاتحاد الأوروبي. وكان الدافع الرئيسي لذلك هو كارثة بايا ماري في رومانيا عام 2000م، التي تُعد واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ أوروبا بعد حادثة تشيرنوبيل.

وعن التدابير الوقائية الضرورية، نصح د. بريمة بما يلي:

  العزل التام: يجب عزل أي منطقة مشتبه بتلوثها عن الاستخدام.

 الموقع الآمن: عدم استخدامه بالقرب من مناطق الزراعة، الرعي، ومصادر المياه.

 التخلص الآمن: التخلص من السيانيد يجب أن يتم في “أحواض خرسانية ضخمة” لمنع التسرب إلى التربة، وإغلاقها من الأعلى لمنع التسرب الهوائي، وصولاً للتعاون مع منظمات عالمية “لتدميره تماماً بصورة آمنة”.

في ظل شح مصادر المياه والمنافسة الشديدة عليها، يطالب المجتمع المحلي في مليط اليوم بتدخل عاجل من حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) لوقف فوري لعمليات التنقيب بالسيانيد، محذرين من أن استمرار الوضع قد ينذر بـ “مواجهات مسلحة وكارثة بيئية كبرى لا يمكن تداركها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى