ما وراء الشمس
محمد الرحال
طوال الصراعات التي شهدتها البلاد، ظل يتردد نوع مكرر من الخطاب المزدوج تتبناه السُلطة بهدف الحفاظ على نفوذها، حتى وإن كان على حساب الحقيقة أو مصلحة الوطن..
هذا الخطاب يتجلّى بوضوح حين تُصوّر الانتصارات العسكرية أو السياسية التي تحققها تلك القوى العسكرية والسياسية على خصومها بأنها “انتصارات وطنية”، بينما تُشيطن الهزائم ويجري تحويلها إلى تهديدات تتطلب استنفارًا قبليًا أو مناطقيًا لمواجهتها.
كثيرًا ما وصف الجيش السوداني أي قوى معارضة مسلحة، بأنهم “أجانب” و”غزاة” و”عملاء للخارج”، والمفارقة تظهر عندما يتحالف الجيش نفسه مع فصائل كانت إلى وقت قريب تقاتله، فيصفها فجأة بأنها “قوى وطنية مخلصة”، و”جزء من الجبهة الداخلية ضد التمرد”.
هذا التناقض لا يُعبّر عن تغير في الواقع بقدر ما يكشف عن براغماتية سياسية تُوظّف الخطاب الوطني حسب الحاجة.
في حرب أبريل هذه، كل الهزائم المتتالية التي ظل يتلقاها الجيش على مدى أكثر من عامين لا يعترف بها كحدث عسكري طبيعي في حرب طويلة، بل يُصوّرها كتهديد مباشر للقبائل والمناطق، ويبدأ بتعبئة الناس تحت شعارات مناطقية، كما حدث في دارفور وكردفان والجزيرة وبعض مناطق الشمال حيث يُحشد المواطنون للدفاع عن “الكرامة” لا عن مشروع وطني جامع.
الخطاب المزدوج هذا أنتج بيئة من عدم الثقة، وشوّه الوعي الوطني، فالمواطن العادي بدأ بالتساؤل بعد أن رأى الفصيل نفسه يُوصف مرة بالخيانة ومرة بالبطولة من نفس المنابر: هل العدو هو فعلًا خارجي؟ أم أنه مجرد مواطن آخر تم تجريمه حسب مزاج اللحظة السياسية؟!
الوطن الذي نطمح إليه ونعمل على تأسيسه لا يُختزل في فصيل أو جيش أو قبيلة.. فالوطن فكرة أكبر من هذه التجاذبات، ولا يُحمى باستدعاء الهويات الصغرى كلما ضاقت الخيارات..
وحدها الدولة المدنية التي تحترم الجميع وتحكم بالقانون تستطيع أن تصنع وحدة حقيقية.. أما من يُحرّك الشعارات حسب الانتصار أو الهزيمة، فهو لا يبني وطنًا، بل يستهلكه حتى آخر شبر.





