لم يعد الصمت حكمة. ولم يعد الحياد فضيلة. فحين تصرخ الأرض بالدم، وتنوح السماء على الأشلاء، يصبح الكلام واجبًا، ويغدو القلم صرخة ضمير في وجه الخراب…الشعب السوداني، ذلك الشعب الصابر، المبتسم رغم المحن، لم يجنِ من هذه الحرب سوى الدمار. كل يوم نفقد أحبة، تتسع المقابر وتضيق البيوت، تذبل المدن وتُغتال الذاكرة الجمعية. لا مكان للأمن، لا معنى للاستقرار، ولا طعم للحياة.
أوجاع من فقد منزله وتحول إلى نازح في وطنه،..أوجاع من ودّع ابنه شهيدًا لا يدري من قاتله.
أوجاع أمّ تنتظر خبزًا، وأبٍ ينتظر دواءً، وطفلٍ لم يعرف بعد معنى الطفولة؛ والأخطر من الخراب المادي هو ما يحدث في نسيجنا الاجتماعي.
تفتت الثقة، وذُبحت المروءة، وتشوهت صورة السودان الذي كنا نعرفه.
تحولت القبائل من مكون اجتماعي إلى متاريس، والمناطق من رموز للتنوع إلى جبهات تصفية…وفي ظل هذا الخراب، جاءت تحية القائد العام لقوات الدعم السريع بمثابة ضوءٍ في نفقٍ معتم….فتح قلبه، وقدم اعتذاره لشعبه، واضعًا السلام خيارًا لا بديلاً له. لم يتردد في مد يده للحوار، مخاطبًا الضمير السوداني بعيدًا عن الشعارات الزائفة،،لكن برهان وكتائبه، وعملاء الحركة “اللاسلامية”، يواصلون العناد… رفعوا شعار “المجد للبندقية”، وأغلقوا أبواب المبادرات، متوهمين أن الرصاص سيكتب شرعية، أو أن الدماء ستؤسس وطنًا…
ثم جاء تغيير التكتيك وضرب بورتسودان ومدن الشرق تواليًا…رسالة واضحة أن الحرب تدخل طورها التقني الطويل.
وإن لم نجلس إلى مائدة الحوار، فإنها ستتحول إلى حرب تستمر لعقود، حرب نخسر فيها الوطن نفسه، وتغيب فيها شمس الأمل عن أفقنا.
أن عويل الحرب وصراخ ماجنيها لا يجلب إلا المحن، ولا يُنتج إلا الخراب… أما كان فيكم عاقل وراشد يهدي إلى السلام؟
أما كان بينكم رجل يقول: كفى… قبل أن يسقط الوطن كله في حفرة لا قرار لها؟ ..السلاح لا يفرض أمرًا، ولا يحرر وطنًا، ولا يوحد أرضًا…وحدة الوطن لا تُبنى إلا بعزيمة الرجال، والرجال هم من حملوا هم الهامش، وضحوا في سبيل العدالة، وصبروا على التجاهل، ثم نهضوا بالثورة.
السلام خيار الشجعان، لا المهزومين.
والتاريخ لا يرحم من أهدر الفرص، ولا ينسى من أحرق البلاد لأجل كرسي.





