الخرطوم – إسماعيل حسابو
بعد (13) عام من الإنتشار في إقليم دارفور، غربي السودان، أعلنت البعثة المختلطة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المعروفة اختصارًا بـ(يوناميد)، عن إنهاء مهامها وتصفية أعمالها رسميًا في السودان، يوم غدٍ (الأربعاء) الموافق 30 يونيو 2021، وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي الخاص بإنهاء تفويض البعثة وخروجها نهائيًا في هذا التاريخ
خروج بلا رجعة
وبهذا، تكون صفحة إحدى أكبر البعثات الأممية في العالم قد طويت في السودان بسلاسة كانت تنشدها الأطراف، ووضعت حدًا لتواجدها الذي دام (13) عامًا، وذلك، بعد مفاوضات ماراثونية مضنية جرت بين الخرطوم والمجتمع الدولي، إثر التغيير الذي أحدثته ثورة ديسمبر التي أطاحت نظام عمر البشير في العام 2019
ففي يونيو الماضي تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع، قرارين بشأن الحالة في السودان، الأول جاء برقم 2524 ويتعلق بإنشاء بعثة جديدة للمساعدة في الفترة الانتقالية في البلاد. أما القرار الثاني برقم 2525 فنص على تمديد مهام بعثة يوناميد حتى 31 ديسمبر، كآخر تمديد لهذه البعثة
بداية المهمة
تسلمت “اليوناميد” مقاليد الأمور في دارفور من بعثة الاتحاد الأفريقي السابقة في السودان، المعروفة بـ“يوناميس” رسميًا في 31 ديسمبر 2007، وذلك، بعد أن أُنشئت البعثة رسميًا من قبل مجلس الأمن في 31 يوليو 2007، بعد تبنيه القرار 1769 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة
وتشكلت البعثة الأفريقية السابقة في العام 2004، وانتشرت عقب تفاقم أوضاع العنف في الإقليم
تصفية أعمال البعثة
وأعلن الأمين العام المساعد ومسؤول بعثة يوناميد، بابكر سيسي، فى مؤتمر صحفي بوكالة السودان للأنباء اليوم (الثلاثاء) تصفية أعمال البعثة رسميًا، غدًا (الأربعاء)، وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي، وأشار إلى أن البعثة لم يعد لها دور رسمي منذ إنهاء تفويضها في سبتمبر 2020، ولكنها تُساعد وتُنسق مع اللجنة الوطنية لحماية المدنيين في دارفو
ونبه إلى أن خروج يوناميد لا يعني ذهاب الأمم المتحدة، قائلًا: “إن الأمم المتحدة ستظل تعمل عبر وكالاتها وصناديقها المختلفة”.
العديد من التحديات
أعلنت (يوناميد) الانسحاب وتسليم مواقعها للحكومة لاستخدامها في الشؤون المدنية، غير أن عددًا من تلك المواقع تعرض للنهب والسلب، ما رفع من درجة القلق بشأن عدم توفر الأمن في دارفور، ورغم ذلك واصلت البعثة تسليم تلك المواقع لحكومات الولايات.
قال الأمين العام المساعد ومسؤول بعثة يوناميد، بابكر سيسي، وهو المشرف على فترة السحب التدريجي وإدارة الموظفين وإعادة الأصول إلى أوطانها ونقل مواقع الفرق إلى السلطات المحلية، قال في المؤتمر الصحفي إن تركيزهم كان ينصب على إغلاق المواقع الميدانية التابعة للبعثة وعددها (14) موقعًا، بجانب إعادة معدات الدول المساهمة بوحدات شرطية وعسكرية، مشيرًا إلى إعادة (6) الآف من موظفي البعثة البالغ عددهم سبعة ألف.
موضحًا أن إعادة المواقع الميدانية للحكومة أو السلطات المحلية أو حكومات الولايات كان أمراً صعبًا وتواجهه العديد من التحديات، فمعظم هذه المواقع كان بعيدًا وصعب الوصول إليه، مشيرًا إلى أن هذه المواقع تم الاتفاق مسبقًا على استخدامها استخدامًا مدنيًا فى التعليم والصحة وغيرها من الأنشطة المدنية وأنه تم التسليم على هذا الاتفاق.
وأكد سيسي أن التنسيق والتعاون الجيد مع حكومة السودان كان أمر حاسمًا في الوفاء بالجدول الزمني الضيق والمعايير المحددة من قبل مجلس الأمن لفترة السحب التدريجي.
مخاوف النازحين واللاجئين
تزامن انهاء مهمة البعثة مع موجات رفض واسعة لخروجها، خاصة من قبل النازحين واللاجئين، في حال عدم اكتمال ترتيبات حماية المدنيين، غير أن الحكومة الانتقالية تعهدت بحمايتهم وتعكف حاليًا على إنشاء قوات مشتركة لتتولى المهمة في الإقليم
بحسب الأمين العام المساعد ومسؤول بعثة يوناميد، فإن استدامة السلام في دارفور تستدعى الكثير من العمل على المستوى المحلي والمجتمعات المحلية، مؤكدًا دعمهم بأكثر من خمسمائة مشروع من مشروعات الأثر السريع لهذه المجتمعات وعبر برامج أخرى من المشروعات المحلية
وأشار إلى أن هناك بعض البرامج التي كانت متبعة وسيتم تنفيذها عبر وحدات أخرى فى برنامج الأمم المتحدة القطري بما يسمى بوحدات الاتصال الولائي، وأنها موجودة الآن فى دارفور، قائلًا إن اليوناميد خصصت حوالى (46) مليون دولار لهذه المشروعات
وابان أن اليوناميد أسهمت فى بناء العديد من مراكز الشرطة والمحاكم الريفية ونجحت فى إعادة أكثر من (1300) من الأطفال الذين تم تجنيدهم، وأسهمت بدمج أكثر من (11) ألف من المقاتلين السابقين وتسريحهم، وأنشأت شبكات لحماية النساء بجانب التوعية بمخاطر كورونا ومنع انتشارها
تحسن الأوضاع
المتحدث باسم بعثة يوناميد، أشرف عيسى، يرى مبررًا للمخاوف التي أبداها النازحون، قائلًا في تصريح سابق لفرانس برس، “نتفهم مخاوف سكان دارفور، خصوصًا النازحين والفئات الضعيفة، لكن الأوضاع تحسنت بصورة كبيرة مقارنة مع السنوات الماضية.
وأضاف “الآن مهمة تعزيز الأمن والاستقرار في دارفور تقع على عاتق الحكومة الانتقالية والسودانيين أنفسهم”.
يشار أن النزاع بين الحكومة في المركز والحركات المسلحة في دارفور اندلع عام 2003 وخلَّف، بحسب احصاءات الأمم المتحدة، 300 ألف قتيل، وتسبب في تشريد 2,5 مليون شخص من قراهم، وفقًا للمنظمات الدولية.
تحرك الجنائية
في 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حق الرئيس المخلوع عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم أصدرت في 2010 مذكرة توقيف بتهمة ارتكاب إبادة.
وأبرز مطالب ثورة ديسمبر واتفاق السلام المبرم في جوبا في أكتوبر الماضي، تقديم الذين ارتكبوا الجرائم في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان للعدالة.
خيارات المحاسبة
في 9 يونيو، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن علي كوشيب، زعيم مليشيات الجنجويد قد سلَّم نفسه للمحكمة، فيما زارت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، السودان في 17 أكتوبر لبحث الخيارات المتاحة لمحاسبة البشير وآخرين عن جرائم الحرب في نزاع دارفور، وأسفرت مباحثاتها مع المسؤولين في الخرطوم عن عدة خيارات بينها تشكيل محكمة مختلطة أو خاصة لمحاكمة المتهمين.
غير أن الحكومة قررت مطلع الأسبوع الحالي، عقب اجتماع مطول لمجلس الوزراء برئاسة د. عبد الله حمدوك، تسليم المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية من رموز النظام السباق، وعلى رأسهم عمر البشير، لمحاكمتهم في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، غير أن الأمر لا يزال تحت النقاش بشأن طريقة تسليمهم
وفى يونيو 2020، أبلغت فاتو بنسودا، مجلس الأمن بأن علي محمد علي عبدالرحمن، المعروف باسم «كوشيب»، 72 عامًا، المتهم بارتكاب جرائم حرب فى دارفور، بات رهن الاحتجاز بمقر المحكمة فى لاهاى، وطالبت المحكمة بتسليم المحكمة 4 متهمين آخرين، بينهم البشير
تتويج الإنجازات
بالنسبة للحكومة الانتقالية فإن خطوة خروج يوناميد تأتي تتويجًا لإنجازاتها على صعيد إحلال الأمن والسلم بدارفور، وبالتالي أكدت في خطاب شكر ليوناميد في وقت سابق، على حرصها بتوفير الأمن والاستقرار لكل المواطنين في ولايات دارفور، وبصفة خاصة النازحين في المعسكرات، وضمان العودة الطوعية الآمنة للاجئين.
كما أكدت على تواصل الجهود لمعالجة جذور المشكلة وترسيخ أسس المصالحات القبلية وإرساء دعائم العدالة الانتقالية وسيادة حكم القانون.





