ارتبط اسم “دارفور” في الذاكرة العالمية المعاصرة بالصور القاتمة لمآسي الحروب وأخبار النزوح، حتى خُيِّل للبعض أن هذا الإقليم لم يعرف سوى أصوات الرصاص وأدخنة الحرائق غير أن الحقيقة التاريخية والإنسانية لدارفور تقف على نقيض هذه الصورة المبسطة والظالمة.
يُعد إقليم دارفور نموذجاً مصغراً للقارة الإفريقية من حيث التنوع البشري؛ حيث يحتضن مئات المجموعات القبلية والإثنية التي تتنوع جذورها وثقافاتها على مدار تاريخه، لا سيما بعد سقوط سلطنة دارفور عام 1916 في أيدي الاستعمار الإنجليزي لينضم إلى السودان الحديث.
هذا التنوع لم يكن يوماً سبباً للقطيعة بل انتظمت مجتمعاته منذ عهد بعيد في شبكة معقدة وجميلة من الحلف القبلي والجوار والمصاهرات التاريخية التي جعلت من الصعب فصل مصير جماعة عن أخرى لتشكل دارفور اليوم.
وتمتلك دارفور مساحات شاسعة من التنوع الجغرافي والثقافي والإثني يمتد حدُّها من الصحراء الكبرى على الحدود مع ليبيا شمالاً حتى بحر الغزال جنوباً، ومن كردفان شرقاً حتى تشاد غرباً. ويضم الإقليم مرتفعات جبلية بارزة، أبرزها جبل مرة بارتفاع يبلغ 3088 متراً، والذي يُعد موطناً لأخصب أراضي الإقليم.
يُقدّر عدد سكان إقليم دارفور بنحو 7.5 مليون نسمة، وفقاً لآخر تعداد سكاني رُصد عام 2008، ويتحدث سكانه بمجموعة من اللهجات واللغات المحلية إلى جانب اللغة العربية.
غير أن التاريخ الحقيقي لهذا الإقليم العريق يتجاوز بكثير حدوده الجغرافية، ليُرسي نموذجاً عالمياً استثنائياً وفريداً في التعايش السلمي وحل المشكلات التي لا يخلو منها أي مجتمع ونموذجاً استثنائياً في فنون العيش المشترك الذي تمازجت فيه الأرواح والمصالح عبر قرون طويلة.
لم تكن دارفور مجرد ملتقى للقبائل والجماعات فحسب بل كانت هذه المساحة مختبراً بشرياً حياً عاشت فيه المئات من المجموعات القبلية المختلفة وصاغ أبناؤه أسساً متينة لنسيج اجتماعي متماسك منذ عهد السلطنات والمماليك حتى اليوم تحكمه منظومة دقيقة من الأعراف والتقاليد المشتركة، تعرف بالحودية.
ولا تقتصر “الجودية” في هذا الموروث على كونها مجرد عرف تقليدي بل تشكل نظاماً قضائياً شعبياً متكاملاً يتميز بالسرعة والمرونة والقدرة على “جبر الخواطر” وإطفاء جمرات الثأر إذ تعتمد على حكماء المجتمعات وأعيانها ممن يملكون رصيداً من الاحترام والقبول لفرض تسويات عادلة تعيد الحقوق لأصحابها، وتُغلّب لغة العفو والتسامح على منطق الغلبة والانتقام مما يجعلها خط الدفاع الأول ضد تفشي الفوضى وتحول النزاعات الفردية إلى صراعات قبلية واسعة.
وشكلت الروحانيات والعادات والتقاليد بوسطيتها السمحة العمود الفقري الذي استندت إليه مجتمعات دارفور في تعزيز التلاحم المجتمعي والثقافي في الإقليم
فلم تكن المساجد والخلاوي مجرد أماكن للعبادة والتعليم فحسب بل كانت حاضنات اجتماعية كبرى ومدرسة التنشئة الوطنية الأولى إذ لم يكن الطالب يُعامل فيها باعتباره ينتمي لقبيلة بعينها بل بوصفه “حواراً” يتعلم القرآن الكريم والأخلاق المحمدية على صعيد متساوٍ
وحين يتشارك الصبية من مختلف المكونات في تنظيف ساحة الخلوة، والاحتطاب، وحفظ كتاب الله تحت سقف واحد، فإن الانتماء الضيق للقبيلة يذوب ليحل محله الانتماء الأوسع للدين والوطن والإنسانية.
وفي زحام التحديات المعاصرة، وما فرضته الحرب وساعوها إلى تفتيت النسيج الاجتماعي في دارفور وصناعة النعرات القبلية تظل العودة إلى استنطاق هذا الإرث التاريخي العريق ضرورة ملحة ليس فقط لاستعادة ذاكرة التسامح بل لإثبات أن التنوع في دارفور طالما كان مصدر غنى وقوة لا سبب فرقة وشتات.
إن ما يشهده الإقليم اليوم من محاولات محمومة لتفكيك هذا النسيج وإذكاء نار الفتنة القبلية على أيدي تجار الحروب والقوى المؤدلجة ليس سوى اغتيال متعمد لهذه الذاكرة الجمعية العريقة إن الرهان على شق صف أبناء دارفور هو رهان خاسر أمام عمق الجذور التاريخية التي تربط بين مكوناته.
إن الاستناد إلى الموروث الدارفوري ليس حنيناً مجرداً، بل هو الرهان الحقيقي لإنقاذ المستقبل وإن استعادة عافية دارفور لا تتأتى عبر الحلول الفوقية وحدها بل تبدأ من إعادة الاعتبار لدور الإدارات الأهلية الحكيمة وتمكين الخلاوي من أداء رسالتها التربوية والتنويرية، وتفعيل قيم “الجودية” لتجاوز آثار الحرب ولدحر رهان التفتيت، إثباتاً لأن تنوع دارفور كان وسيبقى مصدر قوتها الأبدية.





