في كل دولة تمر بمخاض سياسي، يُعاد تعريف معنى الفعل السياسي ومكانة القوى السياسية في تشكيل المصير الوطني، غير أن السودان يشكّل حالة استثنائية في هذا السياق، حيث تتشابك خارطة العمل السياسي والحزبي مع الصراعات المسلحة، والمطالب الجهوية، والانقسامات الأيديولوجية، لتفرز مشهدًا معقدًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات.
ولأن الحاضر لا يُفهم إلا بقراءة دقيقة للمكونات الفاعلة فيه، فإننا نحتاج اليوم إلى وقفة صريحة أمام خريطة القوى السياسية السودانية، نتأمل فيها عدد الأحزاب المسجلة وغير المسجلة، والحركات المسلحة، وحركات التحرر، وطبيعة دورها في تشكيل المشهد، ومآلاتها بعد الحرب الجارية، ونبحث عن إجابة للسؤال الكبير:
هل نحن أمام تعددية حقيقية… أم مجرد فوضى سياسية؟
أولاً: —-
خريطة الأحزاب السياسية في السودان – الكم فوق الكيف؟
وفقًا لإحصائيات مجلس شؤون الأحزاب السياسية، فإن عدد الأحزاب المُسجّلة رسميًا تجاوز 100 حزب سياسي، مع تباين في الأيديولوجيا والانتماء والمستوى التنظيمي، بدءًا من الأحزاب التاريخية ذات الامتداد الشعبي مثل:
حزب الأمة القومي
الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل
الجبهة الإسلامية القومية
المؤتمر الوطني
الحزب الشيوعي السوداني
حزب المؤتمر السوداني
حزب البعث السوداني
وصولاً إلى أحزاب صغيرة، بعضها بلا قاعدة جماهيرية أو برنامج سياسي واضح، وظهرت فقط في أعقاب الثورات أو لتلبية ظرف مرحلي.
أما الأحزاب غير المسجلة رسميًا، أو التي تعمل خارج الإطار القانوني، فيُقدّر عددها بعشرات التنظيمات، تتوزع بين حركات شبابية، وتيارات فكرية، ومجموعات ضغط، وغالبًا ما تعاني من قصر النفس التنظيمي، وضعف الفاعلية الميدانية.
ومع أن هذا التعدد يبدو للوهلة الأولى دليلًا على الحيوية السياسية، إلا أن الحقيقة المؤلمة هي أن معظم هذه الأحزاب تفتقر للرؤية، والتمثيل الشعبي، والقدرة على التأثير الحقيقي، مما يجعلها أشبه بجزر معزولة، تتحرك بمنطق “البيانات” لا البرامج، و”التحالفات الموسمية” لا المبادئ المستقرة.
ثانيًا: —-
الحركات المسلحة وحركات التحرر – مقاومة تحوّلت إلى مشروعات سلطة
منذ اندلاع أولى بوادر المقاومة المسلحة في الجنوب سابقًا، ثم التمرد في دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، ظهر نمط جديد من الفعل السياسي المسلح، عبر ما يُسمى بالحركات المسلحة أو “حركات التحرر”، التي رفعت شعارات مقاومة التهميش والتمييز والإقصاء.
ومن أبرز هذه الحركات:
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (جناح الحلو)
الحركة الشعبية – قطاع الشمال (جناح عقار)
حركة تحرير السودان (مني أركو مناوي)
حركة تحرير السودان (عبد الواحد محمد نور)
حركة العدل والمساواة
مجلس الصحوة الثوري
تجمع قوى تحرير السودان
جبهة السودان الجديد
جبهة الشرق
الحركات المنشقة عن الحركات الكبرى (وتكاد لا تُحصى!)
يُقدَّر عدد الحركات المسلحة التي ظهرت أو انشطرت في السودان منذ 2003 حتى الآن بـ أكثر من76 حركة مسلحة، كثير منها عبارة عن تكوينات انشقت لأسباب تتعلق بالقيادة أو الامتيازات، وليس بالضرورة لاختلاف الرؤية السياسية أو التوجه.
وقد أدت اتفاقية جوبا للسلام الموقعة في 2020 إلى إدماج عدد من هذه الحركات في العملية السياسية، لكنها فشلت في إنهاء منطق السلاح كوسيلة للتفاوض، بل وولدت مشروعات جديدة للتمكين، لا للسلام.
ثالثًا: —–
ما بين الأحزاب والحركات… فراغ يُستثمر خارجيًا
المفارقة الكبرى أن هذا العدد الضخم من الفاعلين السياسيين والمسلحين لم ينتج عنه تحوّل ديمقراطي حقيقي، بل حالة من التشظي والانقسامات والانتهازية السياسية.
وفي ظل هذا الضعف، تدخلت القوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ، عبر رعاية اتفاقيات هشة، أو دعم أطراف بعينها، أو احتضان منصات “سلام” مصممة سلفًا لخدمة مصالح خارجية، وليس لتلبية طموحات السودانيين.
فلم تعد الساحة السياسية ملكًا لأبنائها فقط، بل أصبحت ساحة تجاذب بين الرباعية، ومنبر جدة، ودول الجوار، وقوى الضغط الدولي، فيما تراجعت مكانة الداخل.
ملخص الأرقام قبل وأثناء الحرب…
الأحزاب المسموح بها105—- 130
الحركات المسلحة 76— 90
لجان المقاومة 400—300
الكتائب والمليشيات المحلية30—–100
الكيانات القبيلة المسلحة10—- 40
المنظمات المدنية النشطة 100
رابعا.:—-
علي سبيل المثال نموذجا الانشطار (حزب الجبهة الإسلامية القومية) إلى شظايا المؤتمر الوطني: ثلاثون عامًا من الحكم..
في تاريخ السودان الحديث، لا يمكن تجاوز تجربة الجبهة الإسلامية القومية دون التوقف عند طموحاتها، وتحالفاتها، وانقلاباتها على نفسها. فمن تنظيم دعوي محدود التأثير في سبعينيات القرن الماضي، تحوّلت الجبهة الإسلامية إلى مركز القوة الأول في الدولة، بعد انقلاب 30 يونيو 1989، الذي دشّن أطول فترة حكم في تاريخ السودان المعاصر، تحت لافتة “الإنقاذ”.
غير أن هذا المشروع، الذي حكم البلاد لنحو ثلاثة عقود، انتهى إلى انشطار داخلي وانهيار خارجي، عجزت عن احتوائه كل آليات الحزب الأمنية والتنظيمية. وما يجري اليوم من تفتت في بقايا الحزب ليس إلا نتيجة منطقية لنظام قام على الولاء لا الكفاءة، وعلى التمكين لا التداول.
تأسست الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي في 1985، مستفيدة من زخم الانتفاضة ضد نميري، لتدخل الانتخابات وتصبح ثالث أكبر قوة سياسية بعد الأمة والاتحادي.
وفي عام 1989، خططت الجبهة لانقلاب عسكري بمباركة عناصر داخل الجيش، ليُعلن عن ميلاد نظام “الإنقاذ” بقيادة العميد عمر البشير، وتحت عباءة “الإنقاذ الإسلامية”.
وفي 1992، أُنشئ حزب جديد باسم المؤتمر الوطني، ليكون الغطاء السياسي للسلطة، بينما أبقت الجبهة على أنشطتها الدعوية والفكرية، ضمن توزيع أدوار محسوب.
لكن سرعان ما تفجّرت التناقضات بين جناحي الحكم، فانقلب البشير على الترابي في ما عُرف بـ”المفاصلة الكبرى” عام 1999، ليبدأ المؤتمر الوطني رحلته كحزب حاكم منفرد…
في هذه العقود الثلاثة، احتكر الحزب الدولة ومفاصلها، وسيطر على الأجهزة الأمنية والعدلية والإعلامية، وأقصى القوى السياسية الأخرى، وحوّل الخدمة المدنية إلى أداة للتمكين الحزبي. وأدّت سياساته إلى انفصال جنوب السودان،
تحت هذه المظلة، انقسمت قيادات كثيرة، بعضها اختار التمرد، مثل خليل إبراهيم (مؤسس العدل والمساواة)، والبعض تقاعد، وآخرون بقوا داخل السلطة حتى لحظة السقوط.
سقوط البشير في أبريل 2019 كشف عن هشاشة التنظيم. فالمؤتمر الوطني، الذي كان يضم أكثر من خمسة ملايين عضو بحسب تقديراته، تفتت بسرعة، وتفرّق إلى تيارات:
تيار الإصلاح الآن بقيادة غازي صلاح الدين.
تيار الوسط الإسلامي (إبراهيم السنوسي، والطيب مصطفى).
تيار المؤتمر الشعبي (الذي عاد اسمه بعد وفاة الترابي).
جماعات دعوية مثل أنصار السنة تحالفت ثم انفصلت.
أجنحة شبابية عادت للعمل السري تحت عناوين جديدة
ومع الحرب الحالية (منذ أبريل 2023)، باتت كثير من هذه المجموعات تتنافس في الاصطفاف مع أطراف الصراع، وظهرت انقسامات جديدة داخل التيار الإسلامي نفسه حول الموقف من الحرب، وقضية إعادة الحكم العسكري، والعلاقة مع الدعم السريع أو القوات المسلحة.
افجّرت الحرب …. .
وباتت كل مجموعة تدّعي “التمثيل الشرعي” للتيار الإسلامي، في حين يراها كثيرون مجرد حالة سياسية مفلسة فقدت مشروعها الأخلاقي والشعبي…من الوحدة الصلبة إلى التآكل الذاتي..
التجربة التي بدأت تحت عنوان “المشروع الحضاري الإسلامي”، انتهت إلى
حزب سقط بسقوط رئيسه.
تنظيم انقسم على نفسه مرات ومرات.
خطاب سياسي فقد بريقه ومصداقيته لدى الأجيال الجديدة….ما حزب الجبهة الإسلامية القومية الا نموذج لأحزاب السودانية الانقسامات والانشطارات في الأحزاب الكبير اقلها بين 15,حزب وحركة وكتائب الي 30 حزب وحركة وكتائب وجماعات
خامساً :—
الحرب كشفت الزيف… وفرضت إعادة التموضع
اندلاع الحرب في أبريل 2023 شكّل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا. فانهارت التحالفات الورقية، وتلاشت البرامج النظرية، وباتت قوى جديدة تفرض نفسها على الأرض، مثل:
تحالفات المقاومة المدنية في الولايات
القوى المجتمعية القاعدية
تحالفات المهنيين والنقابات الجديدة
تحالف التأسيس الديمقراطي
قوى دعم الانتقال المدني من رحم الحرب
بينما انكشفت هشاشة قوى ظلت لعقود تتصدر المشهد باسم “التاريخ”، لكنها فشلت في التعامل مع اللحظة.
سادسا: نحو مشروع سياسي جديد… هل من سبيل؟
الواضح أن السودان لا يحتاج فقط إلى انتخابات، أو تسوية، بل إلى إعادة تأسيس الفعل السياسي من الجذور.
مشروع يُعلي من قيمة البرامج لا الأشخاص، ويعيد الاعتبار للتنظيم، ويحترم قواعد العمل الديمقراطي لا توازنات السلاح.
لابد من:
1. إعادة تسجيل وتقييم الأحزاب والحركات على أسس جديدة.
2. وقف دعم الخارج لأي قوى لا تملك شرعية ميدانية أو جماهيرية.
3. تجفيف منابع الانتهازية السياسية التي تُنتج عشرات الأحزاب كل موسم.
4. إطلاق حوار وطني حقيقي تقوده القوى الصاعدة من قلب المعاناة.
5. ربط المستقبل السياسي بالمحاسبة والمصالحة، لا بالمحاصصات والترضيات.
نعم، السودان غني بأحزابه وتياراته وحركاته، لكن الغِنى الحقيقي لا يُقاس بعدد اللافتات، بل بمدى خدمة هذه الكيانات للوطن والمواطن.
لقد حان وقت فرز الكيمان، وإنهاء زمن المتاجرة باسم الثورة أو التاريخ أو الهامش.
ما نحتاجه ليس أحزابًا جديدة، بل قوى سياسية جادة، صلبة، واعية، تحمل مشروعًا لا مجرد موقع.
وما نحتاجه أكثر، أن نُعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي: خدمة الناس، لا خدمة الذات.
السودان غني بمكونات سياسية ومجتمعية.لكنه يعاني من شذوذ في النظام السياسي تتخذه الفوضى منظمة وغياب الغاية مرجعا للقرار الوطني..
القوي كثيرة ولكنها منقطعة معدله أو مترهلة داخل صراعات هامشية اومصالح انتهازية ما نحتاجه اليوم هو..
رؤية وطنية جامعة تحكم البوصلة
دمج المسلحين في جيش وطني مؤسساتي
تقنين العمل السياسي المدني وضبط سلاح القبيلة
تأسيس سلطة سياسية تجمع الجميع..
في النهاية السؤال ليس عن عدد القوي… بل عن مقدار إرادة هذه القوي لتحويل الفوضى الي مشروع وطني ينهض بالسودان من الانقسام الي الوحدة…
سابعا…الإدارة الأهلية في السودان… من وحدة المرجعية إلى الانشطارات المتناسلة…
لطالما شكّلت الإدارة الأهلية في السودان إحدى ركائز التنظيم الاجتماعي والسياسي، خاصة في الأرياف والمجتمعات القبلية. ورغم الجدل القديم المتجدد حول طبيعة هذا الادارة الاهلية، ومدى ملاءمته للدولة الحديثة، إلا أن الإدارة ظلت لعقود تقوم بأدوار لا غنى عنها في فض النزاعات، وتنظيم الموارد، وتقديم الوساطة بين المجتمعات والدولة.
غير أن السنوات الأخيرة، وما شهدته من أزمات سياسية، وثورات، وحروب، قد كشفت عن تحوّل خطير في بنية الإدارة الأهلية، عنوانه الأبرز: الانقسام داخل البيت الواحد.
كانت الإدارة الأهلية تقوم تقليديًا على وحدة المرجعية داخل القبيلة أو النظارة أو المشيخة. فالشرعية كانت تُكتسب عبر السند الاجتماعي، والتاريخ الوراثي، والتزكية القبلية. لكن في العقدين الماضيين، بدأت الدولة – خاصة في ظل نظام الإنقاذ – تتدخل بشكل مباشر في هندسة الإدارة الأهلية، لأغراض سياسية وأمنية، مما أفرز:
تعيين أكثر من زعيم واحد للقبيلة الواحدة.
تقسيم النظارات إلى نظارات فرعية أو “موازية”.
إحياء مشيخات ومناطق نفوذ داخل القبائل الكبرى
هذا التدخل أنتج كيانات مزدوجة: شيخ معتمد رسميًا من الدولة، وآخر معترف به من القاعدة القبلية. أو ناظر مفروض بالقانون، وآخر يمتلك الشرعية العرفية. وهكذا بدأت تنشأ أزمات ولاء داخل البيت الأهلي..
نموذج دارفور وكردفان: “الإدارة الموازية” سلاح للفُرقة
في دارفور على وجه الخصوص، مثّلت التدخلات السياسية والأمنية سببًا مباشرًا في تفتيت البنى الأهلية المتماسكة.
ففي بعض القبائل الكبيرة (مثل الرزيقات، الزغاوة، الفور، المسيرية، الحوازمة، … وغيرها)،..
علي سبيل المثال ليس الحصر كانت قبيلة الرزيقات عدد العمد القبيلة حتي قيام حكومة 1989م … (10 عمدة اصبح بحلول 2025م 182عمدة) ظهر أكثر من ناظر أو مك أو سلطان، كلٌ يدّعي التمثيل الشرعي.
ومع تصاعد الصراعات القبلية، تحوّلت هذه الانشطارات إلى وقودٍ للنزاعات، وأداة بيد السياسيين والمسلحين لتأجيج الصراعات، عبر:
دعم طرف دون الآخر بالمال أو السلاح.
تعيين “أعيان” جدد مقابل الولاء.
خلق كيانات أهلية جديدة دون سند مجتمعي.
الحرب الأخيرة… وتفكك المرجعيات
اندلاع الحرب في أبريل 2023 زاد الطين بلة. فالمجتمع الأهلي وجد نفسه محاصرًا بين الأطراف المتقاتلة، وضاعت البوصلة التقليدية للإدارة الأهلية، التي كانت تلعب دور الوسيط أو الضامن الاجتماعي.
وبدلاً من أن تكون جزءًا من الحل، تحوّلت بعض القيادات الأهلية إلى:
أطراف صراع مسلح.
ممثلي أجندات سياسية أو عسكرية.
أو ضحايا استقطاب وتخوين داخلي.
وباتت الانشطارات داخل القبيلة الواحدة تهدد النسيج الاجتماعي بأكمله، خاصة مع دخول السلاح، والمال السياسي، والتدخلات الخارجية في المشهد الأهلي.
أمام هذا الواقع المعقّد، تصبح إعادة هيكلة الإدارة الأهلية ضرورة وطنية، لا مجرد خيار تنظيمي.
وذلك عبر:
1. إيقاف تدخل الدولة في تعيين أو إزاحة القيادات الأهلية.
2. إعادة الاعتبار لمبدأ الإجماع الأهلي واختيار القواعد.
3. دمج الإدارة الأهلية ضمن مشروع المصالحة المجتمعية لا كأداة أمنية.
4. وضع قانون حديث يضمن وحدة القيادة ومنع الازدواج الوظيفي داخل القبيلة أو النظارة.
الانشطارات داخل الإدارة الأهلية ليست مجرد خلافات شخصية أو طموحات فردية، بل تعبير عن أزمة عميقة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والموروث.
وإذا لم تتم معالجة هذا الملف بجديّة، فإن الإدارة الأهلية، التي كانت يومًا ركيزة الاستقرار الأهلي، قد تصبح أداة للفوضى والانقسام.
والسودان، في هذه المرحلة الحرجة، لا يحتمل مزيدا من الانشطارات….هذة الزيادة المطردة للانقسامات والانشطارات داخل الإدارة الأهلية تؤدي إلى …
تشظي النسيج الاجتماعي داخل القبيلة والمجتمع الواحد.
انهيار آليات الوساطة التقليدية لحل النزاعات.
تعطيل الاقتصاد المحلي بسبب تفاقم النزاعات القبلية حول الأرض والمياه والمزارع.
فقدان الثقة في المرجعيات الأهلية التي كانت تُعد ملاذًا للحكمة والتوازن.
والأخطر من ذلك، أن هذا التعدد والتمدد الإداري الأهلي خلق بيئة ملائمة للاستقطاب السياسي والعسكري، حيث أصبحت بعض الإدارات تنشط كامتدادات لقوى مسلحة، أو تبرر وجود مليشيات محلية، تحت غطاء حماية القبيلة أو “الدفاع الأهلي..
يصعب بناء عملية سلام حقيقية ومستدامة في ظل هذا التفتت الأهلي، ما لم يُعاد ترتيب المشهد الأهلي وفق مرجعية مجتمعية نزيهة وغير مسيّسة.
لا يمكن تحقيق تنمية مكانية أو استقرار اقتصادي في بيئة يسودها تعدد المرجعيات، وتضارب السلطات العرفية، وانتشار السلاح القبلي.




