في لحظة فارقة من تاريخ السودان المعاصر، وتحديداً في الجنينة، المدينة التي قالت عنها التقارير إنها “لم يبقَ فيها شيء يتنفس”، إنعقد أول ملتقى لتقييم تجربة الإدارات المدنية التي شكّلها الدعم السريع في مناطق سيطرته.. الزمان كان دقيقاً: قُبيل الإعلان عن “حكومة التأسيس”، كأنما جاء التقييم ليكون أول لبنة في مشروع تأسيس سياسي جديد، تنبثق منه دولة مختلفة عن دولة ما بعد الاستعمار، دولة تتأسس على التجربة لا الوصاية .
اختار رؤساء الإدارات المدنية في هذا الملتقى أن يقولوا بلسان الحال: “هاؤم اقرأوا كتابيه”.. فلم تكن مشاركاتهم مجرد شهادات إدارية، بل كانت بمثابة دفاتر يوميات عن كيف تُحكم مدينة بلا دولة، وكيف تُبنى سلطة مدنية بلا موارد، وكيف تُحمى مجتمعات من الحرب الأهلية بلا قوات أممية .
في ظروف مستحيلة، ووسط حرب مدن شرسة دمرت البنية التحتية وعطّلت الاقتصاد، نشأت هذه الإدارات من مسؤولية فردية داخل كل ولاية.. بلا مركز يموّل، بلا سلاسل إمداد، بلا ظهر سياسي يحميها… لكنها حكمت… وبعد أن طُرد الجيش من هذه الولايات، ومعه جهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان يزرع الفتن القبلية عبر إدارة “أمن القبائل”، بدأت هذه المناطق تحكم نفسها وتستعيد تماسكها .
والجنينة تحديداً، التي ظن العالم أنها انتهت، عادت.. لا فقط كمدينة تسكنها الأرواح، بل كمركز لحكم مدني فعلي.. أُقيمت فيها المحاكم، قُدّمت الخدمات، استُكملت الهياكل، وانتظمت الحياة..
تجربة فردية؟ نعم.. لكنها أيضاً نواة لدولة ممكنة ..
من هنا تأتي أهمية هذا الملتقى: ليس مجرد تقييم، بل تأسيس.. ليس فقط مراجعة تجربة، بل إعلان عن تحول تاريخي.. في زمان يسبق تشكيل حكومة التأسيس، وفي مكان ينهض من رماده، يُعاد تعريف مفهوم الحكم نفسه .
هذه التجربة رغم بدايتها الاضطرارية وتحدياتها القاسية، تفتح الباب أمام نموذج فدرالي حقيقي، تتوزع فيه السلطة ولا تُحتكر، وتُبنى فيه الدولة من القاعدة لا من قمة العاصمة.. هي إعلان عملي عن نهاية عهد الدولة المركزية التي تشكلت على إرث استعماري يُفرق ليسود، ويحتكر ليسيطر، ويقصي ليبقى .
فمن بين الركام، وفي غياب الدعم الدولي، خرجت سلطة مدنية بوسائلها المحدودة، ونجحت في منع انهيار المجتمعات وانفجار الصراعات القبلية، ووفّرت الخدمات في ظروف بالغة القسوة.. هذه ليست فقط إدارة أزمة، بل هي بذرة لدولة قادمة، قاعدتها المشاركة الشعبية والتمثيل المحلي، وسقفها حكم القانون، لا قانون القوة ..
وإذا كان هذا الملتقى قد بدأ بالتقييم، فإن ما تلاه هو الأهم: رؤية جماعية لما يجب أن يكون عليه مستقبل الحكم في السودان.. رؤية تُنهي الاحتكار المزمن للثروة والسلطة، وتُعيد تعريف المواطنة خارج ميزان المركز والهامش، وتضع حداً لعقود من الفشل المتوارث باسم الدولة .
إن التأسيس الذي نُسج في هذا الملتقى، ليس مجرد إعلان نوايا، بل بيان ولادة مشروع وطني جديد، ينطلق من الجنينة، المدينة التي عادت من الغياب لتُعيد للسياسة معناها، وللحكم وجهه الإنساني، وللشعب صوته الذي طال كتمه .





