قريت ردك فيما يتعلق بالتعليق الذي قوَّم الدنيا وقعدها في بوست قصي همرور، ومحتار جداً في ردة الفعل الغاضبة والمهولة حول هذا الرد. لكنني أعرف أن ردودي دائماً ما تسبب عاصفة إشكالية كبيرة وحنقاً لا أدري ما أسبابه. هل لأنني جنجويد ولا إنقريابي؟
عموماً، أعجبتني قصة أنني أكتب تراكيب، كما وصفت كتابتي، نقلاً عن كتابة للواثق كمير، والأخير كان قد أعجبتني منه كتابة في مرثية جميلة لصديقه الراحل الامين الشيخ مصطفى الأمين. ورغم أنها مرثية، لكن كما تعلم، الكتابة، أي كتابة، تتاخم بالضرورة فضاءً أيديولوجياً يعبر عن مضمونها، حتى ولو كانت مرثية. بالطبع، هذا لا يلغي هويتها وجنس المكتوب، لكنه يحيل بالضرورة إلى ذاكرة اجتماعية. وما أعجبني في كتابة الواثق كمير أنها أحالتنا إلى جغرافيا الترفيه التي كانت عليها الطبقة الخرطومية العليا من أندية ومقاهٍ وأحياء، تلك الجغرافيا التي (جغمها) في رمشة عين، كما يغني زيدان، الدعم السريع.
أما أنت، عزيزي محمد جلال هاشم، فموقفك من الدعم السريع، بعيداً عن تعقيدات المفاهيم وحيلة الإمبريالية أو الكمبرادور، كما عند ذلك الأقرع الذي يشكو من عسر حرف حاد في جهة ابتداع السخرية والمفارقة، ولكأنه ما زال عالقاً في (ود نفاش الدخل القراش)..دعنا منه . قلت إن موقفك ينطلق من كراهية مزمنة لكل ما هو عربي. يعني لو كان حميدتي ده بيرطن، أنت كنت وقفت معاهو طوالي. وكراهية ما هو عربي أو ينتمي للثقافة العربية خلتك حتى الآن مرتبكاً تجاه أطروحتك الأساسية: الهامش والمركز.
قريب ده زاتو مسامعنا بيك عملت ندوة ولا ورقة، وريّت الناس فيها أي هامش كنت تعني؟ هل هو هامش الرطانة فقط والقبائل الأفريقية ضد هيمنة الثقافة العربية، أم أن الهامش هنا مفهوم اجتماعي اقتصادي وفقاً لمفاهيم التحليل الثقافي، لا يفرق بين مبروك مبارك سليم والحلو ومني أركو مناوي؟
عشان كده، أنت لمن رجعت لموقفك ده، اخترت بورتسودان وأولاد الطبقة الثورية الخرطومية المذعورين من خطر انهيار جهاز الدولة والمصالح التاريخية المرتبطة به. ذلك لأن بورتسودان وأولئك الثوريين من زمن الحركة الشعبية قد تلقوا جرعات كافية من خطاب الابتزاز بثنائية أفريقي وعربي (يعني راقدين سلطة). فأنت حتى لمن انتقلت لبورتسودان وتحالفت معها، هو انتقال في مستوى ودرجة خطاب النعرة المناهضة لكل ما هو عربي ويمثل الثقافة العربية، حتى لو كان في تعبيرها (البدوي)، أي هامش الثقافة العربية.
وناس عبدالعزيز الحلو، لأنهم متسقين تماماً مع القيمة الحقيقية لمفهوم الهامش، كان تحالفهم هذا مبنياً على قناعات فكرية وثورية ونضالية حقاً تحدد الهامش كهوية اجتماعية. أقتصادية ولا تكتفي بالثقافي ابدا كيف ماكان عربي هندي ولا من قريش . لكن أنت، وبالنسبة ليك، حاجة فيها عرب دي نوووو، موش لو مهمشين، لو مدعوك خشمم في التراب. وأعتقد إنو أخونا بركة ساكن برضو جاي من نفس الخلفية. عشان كده الاتنين مصابين بعمى في تحديد صورة المضطهَد، لأنو في شوائب أيديولوجية عالقة بين ما هو عرقي وثقافي تحجب الرؤية وتمنع الشوف.
الأمر الآخر، على سيرة المثقف وتعريفه: أنا مثقف، مافي اتنين تلاتة، بالنظر إلى الموقع والتفكير والموقع وحتى ما هو أيديولوجي. يعني ما قصة قريت كم كتاب ولا ناقشت في ياتو موضوع، ولأنو شايف موضوع المثقف محاط بقداسة ساي، تحاول أن تحيل إلى سلطة ما للتفكير والموقع، وده ما حقيقي. نحن مثقفين الله والرسول ده ساي، ما قاعد تخلعنا ألقاب ولا هالات ولا هلويين زاتو.
عموماً، الكلام الذي قد يحزنك جداً أنو الحرب المدوره هسع دي لي هسه هي حرب داخل بنية الثقافة العربية نفسها، وبين اتنين حاملين لتعبيراتها. الفرق إنو الدعم السريع بمثل ثقافة عربية مقصية من مركز التعبير السياسي والثقافي، أي ثقافة هامش بدوي، وبين التعبير الرسمي والسلطوي لهذه الثقافة.
المهم، خلينا من ده كلو. بكرة دي، اعمل لايف، وبنظرية التحليل الثقافي حلل لينا الحرب دي بدل قصة الإمبريالية التي تصنع الآن كحجة لتضميد الارتباك في أفق التحليل وتوظف كالتفاف سياسي حول حقائق الواقع لتبرير التحالف مع الجيش و (سلطة الإسلاميين).
مع تقديري.





