تنفيذا لتوجيهات رئيس المجلس الرئاسي، تم القبض على مرتكبي الجرائم في مدينة الفاشر، وعلى رأسهم أبولولو وآخرون ممن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء وسيقدمون لمحاكمات عادلة .لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل سيجرؤ البرهان على القبض على مجرمي دارفور الحقيقيين؟ أولئك الذين تسبّبوا في واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، وراح ضحيتها أكثر من 300 ألف قتيل وآلاف القرى المحروقة والمغتصبة والمنكوبة؟
لقد مرّت أكثر من خمس عشرة سنة على صدور أوامر القبض الدولية بحق البشير، وأحمد هارون، وعبدالرحيم محمد حسين، وآخرين من قيادات النظام البائد، المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. ومع ذلك، لم يتم تسليم أيٍّ منهم للعدالة حتى اليوم، لأنّهم ببساطة يحظون بحماية كاملة من الجيش وقيادته، ويواصلون إدارة هذه الحرب التي أشعلوها بأيديهم في محاولة يائسة لاستعادة سلطتهم التي لفظها الشعب السوداني إلى غير رجعة.
ورغم وضوح هذه الحقائق، نجد الإعلام العربي يغض الطرف تماماً عن هذه الجرائم، ويتواطأ بصمته أو بانحيازه الفاضح، فيتباكى على الفاشر اليوم، متناسياً من قتل إنسان دارفور بالأمس، ومن أشعل فتيل الحرب في كل بيتٍ وقريةٍ ومدينة. هذا الإعلام المنحاز لم يعد لسان صدق، بل أصبح جزءاً من ماكينة التضليل التي تبرر جرائم الطغاة وتخفي الحقيقة عن شعوبها.
إنّ ما حدث في الفاشر لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل معركة وعي وكرامة وعدالة. لقد حاول قادة الجيش والمشتركة الاحتماء بالمدنيين، واتخذوهم دروعاً بشرية، واستثمروا معاناتهم أبشع استثمار، ثم هربوا في نهاية المطاف كعادتهم، تاركين خلفهم الأبرياء لمصيرهم المجهول. وهذا ليس غريباً على من اعتاد الهروب وترك جنوده، مثلما فعل البرهان نفسه حين فرّ من القيادة العامة وترك كبار ضباطه لمصيرهم المحتوم.
وفي المقابل، سطّر أبطال تحالف تأسيس وقوات الدعم السريع أروع ملاحم البطولة والتضحية في معركة تحرير الفاشر. قاتلوا ببسالة نادرة، وقدموا قوافل من الشهداء من أجل أن تبقى الكرامة، وأن يُرفع الظلم عن أهل دارفور الذين ذاقوا ويلات الحرب والخداع لعقود.
تحرير الفاشر لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل هو انتصار لقضية العدالة، والكرامة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن هيمنة المجرمين والفاسدين. لقد أثبت تحالف تأسيس للعالم أنه يحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً، لا يسعى للانتقام بل لبناء دولة عادلة تُحاسب من أجرم، وتُكرم من ضحّى، وتُعيد للسودانيين ثقتهم بأن التغيير ممكن مهما طال الظلم.
إنّ الفاشر اليوم ليست نهاية الطريق، بل بدايته. إنها طريق التحرير لبقية السودان، وبوابة الخلاص من منظومة القهر والفساد. ومن رحم الفاشر ستولد دولة العدالة، والحرية، والمواطنة التي حلم بها كل سوداني حر.





